رجعت من السعوديه لقيت مراتي وابني بياكلو بواقي الاكل

لمحة نيوز

​رجعت من السعودية من غير ما أقول لأحد، بعد 5 سنين شقى وتعب تحت شمس المحرقة عشان أبني "قصر" لعيلتي.. دخلت البيت ولقيت مراتي وابني قاعدين ورا المطبخ بياكلوا رز معفن، وأمي جوا البيت هي اللي صاحبة الفرح!
"هو ده الأكل اللي بتأكليه لـ ابني؟ وانتي بتشربي وتتمنظري في البيت اللي دفعته فيه دم قلبي؟"
​الصينية اترعشت في إيد "صباح" لدرجة إن الفرخة المشوية كانت هتقع منها على الأرض. ومن وراها ظهرت أمي، "الحاجة إلهام"، شيك زي عادتها، عقد اللولي حوالين رقبتها، ورسمة "الهانم" اللي فضلت تتدرب عليها طول الـ 5 سنين اللي كانت بتصرف فيهم فلوسي وكأنها ورثاها، مش جاية من عرقي وتغربي في الغربة.
​بس أنا عيني ما جاتش عليها الأول.. عيني راحت لـ "نورا".
​كانت قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور، ورا المطبخ، جمب جردل مبهدل ومواعين متكومة. كتف فستانها كان مقطوع، وشعرها ملموم أي كلام، وفي إيدها طبق مشروخ فيه شوية رز ريحتهم حمضانة. وجمبها "ياسين" ابني، ماسك المعلقة بخوف كأنه بيشحت لقمة مش من حقه.
​للحظة افتكرت إني بيتهيألي، أو إن تعب السفر والطيارة بيخيل لي حاجات مش موجودة. وفجأة "ياسين" رفع عينه وشافني واقف عند الباب بشنط السفر اللي مليانة هدايا.. ملامحه اتجمدت من الصدمة.
​"بابا؟" همس بيها وهو مش مصدق.
​ما عرفتش أرد.. حسيت بحاجة انكسرت جوايا.
​نزلت على ركبي قدامه، وفجأة رمى نفسه في حضني بقوة ما تجيش من طفل صغير، دي قوة 5 سنين وجع وشوق كانوا محبوسين في قلبه. الطبق اتقلب والرز المعفن وقع على الخرسانة.. ريحته كانت تقرف.. ريحة ذل.
​"الموضوع مش زي ما أنت فاهم"، أمي نطقت أخيراً.
​فيه كدب بيبقى إهانة

للذكاء، والكلمة دي كانت أكبر إهانة.
​شلت "ياسين" وقربت من "نورا"، كانت خاسة لدرجة وجعت قلبي وأنا بمسك إيدها. كنت عايز أخدها في حضني بس هي بصت لي كأني عفريت.. كأنها عايزة تصدق إني رجعت بس خايفة تحلم وتصحى على كابوس.
​"بصي لي"، قلتلها بصوت واطي.
​عنيها اتملت دموع، وما كانتش دموع فرحة بس، كان فيها "كسرة" ونظرة خجل. وده أكتر حاجة حرقت دمي.. إنهم مش بس عذبوها، دول خلوها تحس إنها قليلة ومكسوفة من حالها.
​"قومي.. اطلعي جوا."
​"لا!"، صوت أمي رعد في المكان.
​"ياسين" اتنفض في حضني، و"نورا" عضت على شفايفها بخوف، كأنها عارفة إن فيه عقاب مستنيها لو عصت الأمر.
​"لا؟"، رديت عليها وأنا بلف ببطء.
​"فيه ضيوف مهمين جوا"، قالتها وهي بتقوي قلبها وتخشن صوتها، "بلاش تعمل لنا فضيحة قدام الناس."
​صوت الضحك كان واصل لبره، وصوت الكاسات والمزيكا الهادية وريحة الزبدة واللحمة والعيش الصابح.. على بعد خطوات من المكان اللي مراتي وابني بياكلوا فيه رز معفن، كان فيه عزومة فخمة وعالم تانية خالص.
​ساعتها فهمت اللعبة..
​دي ما كانتش مجرد عزومة، دي كانت حفلة عشان يتباهوا بالبيت الجديد.
​وطيت أخدت الطبق من الأرض بالرز الحمضان اللي فيه، "صباح" حاولت تقرب تمنعني.
​"بلاش تدخل بالمنظر ده يا جوليان (يا جمال)."
​بصيت لها ونبرة صوتي هادية ومرعبة:
"جربي تمنعيني."
​دخلت بخطوات واثقة لغرفة السفرة.. تحت النجف اللي دافع فيه الآفات، كان فيه حوالي تلاتين شخص من "الأكابر". وفي صدر القاعة، تورتة تلات أدوار وتلج وشامبانيا.. أختي كانت بتحتفل بخطوبتها الليلة دي في القصر اللي حولته لمعرض لمنظرتها، في حين إن عيلتي كانوا
بيحاولوا ينجوا وهما مستخبيين ورا المطبخ كأنهم خدامين.
​حطيت طبق الرز المعفن في نص السفرة.
​الريحة خلت الناس تقرف وتكرمش وشوشها فوراً.
​"ده"، قلتها وأنا بشاور بصباعي على الرز، "هو ده اللي مراتي وابني كانوا بيتعشوا بيه، في الوقت اللي انتوا بتاكلوا فيه أكل ملوك.. في بيتي."
​السكوت نزل على القاعة زي الصاعقة.
​وفي اللحظة دي، وكل العيون عليا، وأمي وشها بيجيب ألوان من الخزي، عرفت إن اللي جاي ملوش رجوع.
​ما كنتش متخيل أبداً إيه اللي هيحصل بعدها...
لم يتحرك أحد. الصدمة لجمت الجميع. أمي، الحاجة إلهام، حاولت استعادة قناع "الهانم" بسرعة، اقتربت مني وهي تهمس بصوت حاد كالسكين:

"جمال، لم الدور.. الفضيحة هتبقى بجلاجل، أنت مش عارف مين الناس اللي قاعدة دي؟ دول اللي هيعملوا اسم أختك في السوق!"

​ضحكت بمرارة هزت أرجاء القاعة. "اسم أختي؟ طب واسم ابني اللي بياكل عفنكم؟ واسم مراتي اللي مكسورة في بيتي؟"

​وفجأة، وبحركة لم يتوقعها أحد، سحبت مفرش السفرة الحريري بكل ما عليه. الأطباق الصيني الغالية، كؤوس الكريستال، والديك الرومي المحمر.. كل شيء انهار على الأرض في ضجيج مرعب. صرخ الضيوف ووقفوا مفزوعين.

​"العزومة خلصت!" صرخت فيهم. "البيت ده بيتي، والفلوس دي فلوسي، وأي حد يقبل ياكل والست دي وابنها جعانين، ملوش مكان هنا!"

​هرب الضيوف وهم يتسابقون نحو الباب، وأختي "شيرين" تصرخ وهي ترى خطيبها يغادر وهو ينظر إلينا باحتقار. لم يهمني أحد. وجهت نظري لأمي وصياحي يملأ المكان:

"من اللحظة دي، مفيش مليم هيدخل البيت ده. العربية اللي بره، والمجوهرات اللي في رقبتك، وحتى الشغالة اللي بتأمروا عليها.

. كله هيتسحب."

​المفاجأة الكبرى

​مر أسبوع. ظنت أمي أنني سأهدأ كالعادة، لكنني كنت قد اتخذت قراري. لم أعد ذلك الشخص الساذج الذي يرسل المال وهو مغمض العينين.

​في صباح اليوم الثامن، دخلت عليهم الصالة ومعي محامي.

"جمال حبيبي، أكيد فكرت وعرفت إن مالناش غير بعض،" قالت أمي وهي تحاول استعطافي.

​رد المحامي ببرود: "يا حاجة إلهام، الأستاذ جمال نقل ملكية القصر ده، وكل العقارات اللي اشتراها باسمه، لاسم المدام نورا كـ 'مؤخر صـداق' وتعويض عن الخمس سنين، وحالياً المدام نورا هي صاحبة البيت، وهي اللي تقرر مين يقعد ومين يمشي."

​أمي وأختي وقفتا كأن صاعقة ضربتهما. نورا، التي كانت منذ أيام تنظف المطبخ، وقفت الآن بكرامة، بملابس بسيطة لكن نظيفة، وعينين لم يعد فيهما خوف.

​نظرت نورا لأمي وقالت بهدوء: "أنا مش زيك يا حاجة.. مش هرميكي في الشارع. هتقعدي في أوضة الضيوف اللي تحت، وتاكلي من اللي بناكله، وتعيشي معانا بالمعروف.. بس مفيش خدم، ومفيش منظرة، ومفيش تحكمات. والقصر ده، هيبقى نصه دار لتحفيظ القرآن وخدمة الغلابة، عشان ربنا يبارك في قرش جمال اللي ضاع في المنظرة."

​النهاية السعيدة

​مرت الشهور، وتحول القصر البارد الذي كان يسكنه الزيف، إلى بيت حقيقي يملأه الدفء. "ياسين" استعاد ضحكته، وأصبح يذهب لأفضل مدرسة، لكنه كل يوم جمعة، يأخذ وجبات ساخنة يوزعها بنفسه على المحتاجين، لكي لا ينسى أبداً طعم "الرز الحمضان".

​أما أنا، فقررت ألا أعود للغربة ثانية. افتتحت مشروعي الخاص في مصر، وبدأت أعيش أجمل أيام عمري بجانب زوجتي التي صانتني في غيابي، فكان واجبي أن أصونها في حضوري.

العدالة لا

تأتي دائماً بالانتقام، أحياناً تأتي بوضع كل شخص في مكانه الحقيقي.

تمت

تم نسخ الرابط