الجزء الاخير حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
الإسكندرية كان لها ريحة مختلفة…
ريحة مطر خفيف، وقهوة طازة… وحرية.
كريم استقبلني من المحطة، ووداني على طول المكتب في منطقة راقية:
حيطة طوب مكشوف، مكاتب جديدة، سبورة مليانة أرقام…
وفي الركن لوحة صغيرة مكتوب عليها:
"مراد & عز الدين للاستشارات المالية"
اسمي كان موجود…
مش مستخبي…
مش مجرد تحويل شهري…
اسمي أنا.
كنا بقالنا سنتين بنبني الشركة في هدوء، بالليل، وأنا لسه شغالة في الشركة القديمة عشان المرتب والتأمين.
بدأنا بمشاريع صغيرة، ناس عايزة ترتب فلوسها من غير ما حد يعاملها كرقم.
وقت ما اتفصلت…
كنا خلاص واقفين على رجلينا:
عملاء كبار، فريق صغير، ومستقبل واضح.
فصلي ما كانش نهاية…
كان البداية.
أجّرت شقة صغيرة.
نمت أول ليلة على مرتبة هواء، والشباك مفتوح.
الصبح… فتحت تطبيق البنك بالعادة.
لقيت التحويلات شغالة زي ما هي:
قسط بيت أهلي
علاج أبويا
قسط عربية هبة
كارت أمي للمصاريف
حوالي 45 ألف جنيه شهريًا…
رايحين لبيت طردني.
كريم سألني:
— هتوقفيهم، صح؟
قلت:
— مش عايزة أتصرف باندفاع.
بس الحقيقة…
كنت لسه مستوعبتش إنهم مش بيحبوني…
بيحبوا
بعد 15 يوم… هبة كلمتني.
افتكرت — بغباء — إنها يمكن تعتذر.
لكن قالت:
— العربية تأمينها خلص، والسخان بايظ… ماما عايزاكي تبعتي 20 ألف فورًا.
ولا سألت أنا فين…
ولا عايشة إزاي…
ولا حتى شغالة ولا لأ.
قلت لها بهدوء:
— إنتي عارفة أنا في أي محافظة؟
قالت:
— مش عارفة… يفرق إيه؟ هتبعتي ولا لأ؟
قفلت السكة.
لا صرخت… ولا عيطت.
بس حسيت بحاجة جوايا بتتقفل… زي باب أخير.
في نفس اليوم…
كتبت إيميل:
العنوان: إشعار انتقال مالي – 30 يوم
بلغتهم إني من الشهر الجاي:
مش هدفع قسط البيت
ولا العلاج
ولا العربية
ولا أي مصاريف
وحطيت لهم حتى حلول… وتأمينات بديلة… ونصيحة يبيعوا العربية لو مش قادرين عليها.
كريم قرأه وقال:
— كده تمام… إنتي مش ماكينة فلوس.
بعدها بساعات…
الجحيم بدأ.
مكالمات
شتايم
اتهامات
أمي بتقول إني بخرب البيت
هبة بتصرخ إن العربية "حقها"
وأبويا… ساكت
لكن المفاجأة كانت من خالتي سعاد:
— دينا… إنتي كويسة؟
أول مرة حد يسألني السؤال ده… وكنت هعيط.
وقالتلي:
— أمك بتقول للناس إنك سبتوهم… وكمان هي ما كانتش عارفة إنك بتدفعي كل المبلغ ده.
وقتها
مش بس كانوا بيستغلوني…
كانوا كمان بيقللوا من اللي بعمله.
الشهور عدّت…
وشركتنا كبرت.
وقّعنا عقود كبيرة.
وفتحنا مكتب أكبر.
قررنا نعمل افتتاح رسمي.
جدتي أمينة أصرت تيجي:
— عايزة أشوف تعبك بعيني.
ليلة الافتتاح…
المكان مليان ناس، وضحك، وتصفيق.
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف.
دخلت أمي… ووراها هبة… وبعدهم أبويا.
مش جايين يصلحوا…
جايين ياخدوا.
هبة وقفت قدامي وقالت قدام الكل:
— يعني عندك فلوس للمكتب والحفلة… وسايبة عربيتي تتاخد؟
وساعتها…
عرفت إن الحقيقة لازم تتقال.
الجزء الثالث
الصمت كان تقيل…
بصيت لها وقلت بهدوء:
— عربيتك؟ تقصدي العربية اللي أنا مضيت عليها عشان تتوافق لك؟
العربية اللي كنتي بتمشي بيها وإنتي عايشة في أوضتي… في بيت أنا اللي بدفعه؟
أمي حاولت تمثل:
— ما ينفعش تفضحينا كده… إحنا أهلك.
ضحكت لأول مرة قدامها:
— لا… اللي عملتوه كان عشان راحتكم… مش عشاني.
وبصوت واضح قدام الكل قلت:
— 15 سنة وأنا بدفع كل حاجة: البيت، العلاج، الأكل، ديونكم، وعربية أختي.
أكتر من مليونين جنيه.
وفي يوم ما اتفصلت… أول سؤال كان: مين هيدفع العربية؟
وطردتوني
المكان كله سكت.
كملت:
— وأيوه… الشركة دي باسمي.
وشقة الساحل باسمي.
وسكت وقتها لأني لأول مرة عايزة حاجة ليا… من غير ما حد يمد إيده عليها.
أمي وشها اصفر:
— إنتي سايبانا في الشارع!
قلت بهدوء:
— لا… أنا بس بطلت أكون مصدر فلوس.
ساعتها جدتي قالت:
— إنتي بنيتي بيت على ضهر بنت… وزينتيه لبنت تانية.
أمي سكتت…
وهبة ما عرفتش ترد.
أبويا أخيرًا بصلي وقال:
— سامحيني يا بنتي… غلطت.
الكلمة دي ما مسحتش اللي فات…
بس كانت أول حقيقة.
قلت له:
— شكرًا… بس لازم تمشوا.
خرجوا…
وبعدها كل حاجة انهارت عندهم:
البيت اتأخر قسطه
اضطروا يأجروا أوضة
هبة اشتغلت لأول مرة
أمي بقت تطلب مش تأمر
بعد شهور… أمي كلمتني:
— كنت خايفة أبقى لوحدي… عشان كده فضّلت اللي قريبة مني.
قلت لها:
— لو عايزة علاقة… عامليني كإنسانة مش دخل ثابت.
دلوقتي… بكلم أبويا أحيانًا.
كلام بسيط… عن الزرع والجو.
وأوقات بروح شقة الساحل…
وفي الصالة… صورة تخرجي متعلقة تاني.
مش عشان أفتكر اللي عملته لهم…
لكن عشان أفتكر اللي عدّيت بيه لنفسي.
اللي وقع في الليلة دي… ما كانش
كان النظام اللي كانوا عايشين عليه بسببي.
واتعلمت أهم درس:
إنك تحط حدود… مش خيانة لحد…
دي حماية لنفسك.
تمت حكايات محمد عبده