الجزء الاخير حكايات محمد عبده
بعد عشرين ساعة من المخاض، شعرت أن جسدي لم يعد ملكي.
كأنه مُستعار… تمزّق ثم أُعيد ترميمه بالقوة، بأيدي الأطباء، وبألمٍ جعل الزمن يفقد معناه.
لحظة كنت أرتجف بشدة حتى ظننت أن أسناني ستنكسر، وفي اللحظة التالية كنت مستلقية تحت أضواء صفراء هادئة داخل جناح الولادة الفاخر، أتأمل وجه طفلتي الصغيرة.
كانت كاملة… بشكل لا يُصدق.
رموشها ما زالت مبللة، وشفتيها تتحركان ببطء كأنها تتعلم الحياة نفسًا بعد نفس.
طبعت قبلة على جبينها، واستنشقت رائحتها… تلك الرائحة التي لا تشبه شيئًا معروفًا.
ليست حليبًا… ولا عطرًا… بل رائحة البدايات.
رائحة خوفٍ ودهشةٍ متداخلين…
رائحة وعدٍ لم أكن أعلم أنني قادرة عليه، حتى وضعت بين ذراعي، وفهمت أنني قد أحرق العالم كله قبل أن أسمح لأحد أن يؤذيها.
كان من المفترض أن تكون هذه هي كل ذكرياتي عن ذلك اليوم…
أنا وطفلتي… الهدوء… التعب بعد معركة طويلة.
لكن بدلًا من ذلك، ما زلت أسمع صوت نقر أصابع زوجي على هاتفه… سريعًا، غاضبًا، مستمرًا…
كأنه الموسيقى الخلفية لنهاية زواجي.
كان كريم جالسًا قرب النافذة، غارقًا في لعبته، وجهه مضاء بضوء
منذ ولادة طفلته… لم يطلب حملها ولو مرة واحدة.
لم ينظر إليّ بحب… ولا حتى بقلق بسيط.
كل ما فعله… أنه سأل عن مكان الشاحن، واشتكى من ضعف الإنترنت، وتذمر من طول فترة الولادة… كأنني تأخرت في توصيل طلب!
حاولت إقناع نفسي أنه متوتر… أن الرجال يختلفون… أنه سيتغير غدًا…
لكن الحقيقة؟
كنت أبرر له منذ ثلاث سنوات… وأصبح الأمر عادة.
تحركت طفلتي بين ذراعي، فأعدلت الغطاء حولها، ومددت يدي بصعوبة نحو كوب الماء.
كل حركة كانت مؤلمة… جسدي يصرخ… لكنني كنت أبتسم.
لأنني رغم كل شيء… أنجبت شيئًا جميلًا.
ولأنني دفعت ثمن هذه الغرفة من مالي الخاص…
كنت أعلم أنني سأحتاج للهدوء…
وكنت أعلم أن سميحة، والدة كريم… لو دخلت حياتي في هذه الأيام، ستحولها إلى حرب.
وكأنني استدعيتها بمجرد التفكير فيها…
انفتح الباب بعنف.
دخلت سميحة وكأنها تقتحم ساحة معركة.
لم تنظر لطفلتي… لم تسأل عني…
نظرت حولها باشمئزاز، ثم صرخت:
"إزاي تضيعي فلوس ابني على الأوضة دي؟!"
ارتجفت طفلتي من الصوت…
أما كريم… فلم يرفع رأسه.
قلت بهدوء متعب: "أنا اللي دفعت… من فلوسي."
نظرت إليّ ببطء، ثم قالت
عايشة بفضله… وبتاكلي بفضله… وجاية تتكلمي كأنك مستقلة؟!
إنتِ حبستيه بطفل!"
هذه المرة… لم أسكت.
"أنا ما حبستش حد… ولو خفضتي صوتك، يمكن البنت تنام."
ضحكت بسخرية: "بنتك؟! دي بنت ابني… كل حاجة فيها منه."
نظرت إلى كريم… أنتظر كلمة…
أي رد…
لكنه قال بدون أن ينظر: "ماما وطي صوتك… أنا في جيم."
ثم أضاف: "وبعدين يا منى، انقلي أوضة عادية… بلاش دلع… الفلوس دي أنا محتاجها."
في تلك اللحظة… انتهى كل شيء.
فهمت الحقيقة… بوضوح مؤلم:
هذا الرجل… لا يحبني.
فجأة، اندفعت سميحة نحوي… وأمسكت كوب الماء…
وقذفته أرضًا بقوة!
تناثر الزجاج بجانب السرير…
صرخت طفلتي.
احتضنتها فورًا، جسدي كله يرتجف، أحاول حمايتها.
نظرت إلى كريم… بصدمة…
لكنه قال بانزعاج: "بجد؟! ضاع الكومبو!"
وفي تلك اللحظة…
جاء صوت من الباب:
"يوسف… اقفل الباب."
رفعت رأسي…
كان والداي هناك.
دخلت أمي ليلى بهدوء مخيف، ونظرت لكل شيء:
الزجاج… الطفل… وجهي… سميحة… كريم…
ثم قالت ببرود قاتل: "عندكم 15 ثانية تشرحوا ليه بنتي بتنـزف في أوضة ولادة… وابنكم بيلعب.
حاولت سميحة التبجح: "دي أمور عائلية… ملكيش دعوة."
ابتسمت أمي: "لما تضربي بنتي… تبقى مش عائلية."
وقف كريم يحاول التبرير: "منى متوترة… وماما بس اتضايقت من الأوضة…"
كرر أبي بهدوء: "الأوضة؟"
صوته كان كافيًا ليجعل سميحة تتراجع خطوة.
دخلت الممرضات والأمن…
بدأ توثيق كل شيء…
وأمي تطلب تسجيل الواقعة بالكامل.
صرخت سميحة: "محدش اتأذى!"
قلت بصوت مرتجف: "هي رمت الكوباية… والبنت كانت هنا."
ثم ارتكب كريم أغبى خطأ:
"قوليلهم يا منى ما يكبروش الموضوع…
وبعدين لو ما كنتيش مصممة على الأوضة الغالية دي… ما كانش حصل كده.
إحنا بنصرف كتير…"
سألت أمي: "بتوفر الفلوس عشان إيه؟"
سكت…
أجاب أبي: "علشان لعبة."
"لا…" قلت بثبات،
"هو مش بيهزر."
الصمت ملأ المكان…
والحقيقة ظهرت.
اقتربت أمي مني، لمست جبيني وقالت: "إنتِ بأمان."
وانهرت.
حاولت سميحة مرة أخيرة: "إحنا جينا نشوف حفيدتنا."
قالت أمي: "مش من حقك تقولي الكلمة دي."
تم إخراجهم بواسطة الأمن…
وقبل أن يخرج، قال كريم: "قولي لهم إني أفضل."
نظرت إليه… لأول مرة بوضوح…
ثم قلت:
"لا."
كلمة واحدة…
غيرت كل شيء.
خرجوا…
وحملت
وأدرت وجهي بعيدًا عنه…
وكأنني أخيرًا…
اخترت نفسي.
تمت حكايات محمد عبده