هل الشاي يفتح الشراين
بعد ما ابني "ياسين" مات، مراته "ولاء" طردتني من البيت، ومكنتش تعرف إن ابني ساب وراه سر هيغير موازين كل حاجة.
من كام سنة، جوزي اتوفى بعد صراع طويل مع المرض. وبعدها بشوية، صحتي تعبت ومبقتش قادرة أعيش لوحدي. كنت محتاجة حد يرعاني، فابني ياسين ومراته ولاء طلبوا مني أعزل وأسكن معاهم.
بعنا شقتي، وكل قرش مكنت حايلاه حطيته في توضيب شقتهم وتجديدها عشان نعيش كلنا مرتاحين.
عشنا مع بعض سنين، ولاء كانت بتشتغل ساعات طويلة، فكنت أنا اللي شايلة البيت وعياليها؛ بطبخ وبنضف ومخلية البيت زي الفل.
رغم كل ده، كانت دايماً في حالها.. كلامها معايا بحدود، ذوق بس من غير أي مودة ولا حنية.
وفجأة، الدنيا اتهدت فوق دماغي.
ياسين مات في حادثة طريق.
بعد العزا، حزن ولاء اختفى بسرعة غريبة. بعدها بكام يوم بس، بصت لي وقالت بكل قسوة:
"يا طنط، أنا مش عايزاكي تعيشي هنا تاني.. ده بيتي."
صوتي كان بيترعش وأنا برد عليها:
"إزاي تقولي كدة؟ ده أنا ماليش مكان غير هنا.. أروح فين يا بنتي؟"
ردت ببرود: "دي حاجة متخصنيش، إنتي كنتي هنا عشان خاطر ياسين، وأنا أصلاً مكنتش عايزة كدة من الأول."
بعد وفاته، البيت قانوناً بقى ملكها، وأنا ماليش فيه أي حق رسمي.
قضيت الليل كله بعيط وبشتكي لربنا.
تاني يوم الصبح، لقيت شنطي محطوطة عند الباب.
ومع ضيق الحال ومليش حد، انتهى بيا الأمر في دار رعاية.
كنت حاسة إني تايهة ومكسورة والخلق ضاقت بيا.
لحد ما
ابتسم بهدوء وقال لي:
"يا ست الكل، أنا كنت شغال مع ابنك ياسين الله يرحمه.. هو ساب أمانة ليكي، وسر لازم تعرفيه دلوقتي."
👇 القصة لسه مخلصتش...
الراجل طلع محامي، فتح شنطته وطلع منها ظرف مختوم وقال لي:
"ياسين الله يرحمه كان عارف إنك بعتي شقتك وحطيتي كل شقا عمرك في البيت ده، وقبل وفاته بشهر، جالي المكتب وكتب شقته باسمك 'بيع وشراء'، والورق ده متسجل في الشهر العقاري."
أنا مكنتش مصدقة، دموعي نزلت وأنا بقرأ التوكيل وعقد البيع. ياسين كان حاسس، أو يمكن قلبه كان دليله إن مراته غدارة.
المحامي كمل كلامه:
"مش بس كدة، ياسين كان مأمن على حياته بمبلغ كبير، والوريث الوحيد للمبلغ ده هو إنتي مش هي، عشان يضمن إنك تفضلي مستورة وتعيشي ملكة في بيتك."
رجعت البيت ومعايا المحامي، وأول ما "ولاء" فتحت الباب ووشها كشر، المحامي بصلها وقال لها:
"لمي حاجتك يا مدام، الست دي صاحبة البيت ده بالقانون، وإنتي اللي ملكيش مكان هنا بعد النهاردة."
وقفت مكانها مصدومة، وشها جاب ألوان ومقدرتش تنطق بكلمة. بصيت لها وقلت لها:
"ربنا مبيسيبش حق حد، والبيت اللي طردتيني منه في عز حزني، هو اللي هيحفظ كرامتي في كبري.. اطلعي بره."
خرجت ولاء مكسورة، وأنا سجدت لربنا شكر، وعرفت إن اللي بيتقي الله في أهله، ربنا بيبعت له اللي ينصفه ولو بعد حين.
المحامي طلع من شنطته ظرف كبير، وبدأ يقرأ
"ياسين الله يرحمه قبل وفاته بشهرين، جالي المكتب وكان قلقان عليكي جداً. عمل عقد بيع وشراء نهائي للبيت باسمك، والورقة دي متسجلة في الشهر العقاري ومعاها توكيل عام بالبيع لنفسك أو للغير. يعني يا ست الكل، البيت ده قانوناً وشرعاً بتاعك إنتي، مش بتاعها هي."
مبقتش مصدقة ودقات قلبي زادت، المحامي كمل:
"ومش بس كدة، ياسين كان عامل حساب توفير في البنك باسمك، وحاطط فيه مبلغ كبير كان شايله للزمن عشان محدش يتحكم فيكي ولا يذلك."
روحت البيت ومعايا المحامي والورق، وأول ما "ولاء" فتحت الباب وشافتني، ضحكت بسخرية وقالت:
"إيه اللي جابك تاني؟ مش قلتلك ملكيش مكان هنا؟"
المحامي رد عليها بكل هدوء وورالها ورق الملكية:
"لا يا مدام، إنتي اللي غلطانة في العنوان. الست دي هي صاحبة البيت، وحقك فيه هو 'الميراث الشرعي' فقط في نصيب ابنك، لكن العين نفسها ملكها هي. إنتي قدامك ٢٤ ساعة تلمي حاجتك وتسيبي البيت، أو نطلب البوليس ينفذ قرار الطرد."
ولاء وشها جاب ألوان، وبدأت تتلعثم في الكلام وتحاول تعتذر وتتمسكن:
"يا طنط، أنا كنت مضغوطة.. ده بيت ولادك، متعمليش فينا كدة."
بصيت لها بكل قوة وقلت لها:
"ياسين كان عارف أصلك، وعشان كدة ربنا ألهمه يمنّ مالي عليكِ ويحفظ كرامة أمه. البيت ده هيفضل مفتوح لولاد ابني، لكن إنتي ملكيش مكان فيه. اللي يرمي لحمه في الشارع، ملوش عيش وملح معانا."
خرجت ولاء من البيت مكسورة ومصدمومة، وأنا
فتحت الورقة وأنا إيدي بتترعش، كان كاتب فيها:
"يا أمي، أنا عارف إنك ضحيتي بكل حاجة عشاني، وعارف إن ولاء طبعها صعب. سامحيني إني عملت كدة من وراكي، بس كنت لازم أضمن إنك تعيشي ملكة في بيتك زي ما عيشتيني ملك في حضنك. البيت ده ملكك، والقرشين اللي في البنك عشان متمديش إيدك لحد. ادعي لي يا أمي."
مرت الشهور، وولاء حاولت بكل الطرق ترجع وتستعطفني عشان الفلوس والبيت، بس أنا كنت اتعلمت الدرس. وافقت إنها تيجي بالولاد يشوفوني وأشوفهم، وده لأني عارفة ديني كويس ومش هقطع صلة رحم، بس البيت فضل بيتي، وكلمتي بقت هي اللي ماشية.
فتحت جزء من البيت ده كـ "صدقة جارية" على روح ابني وجوزي، وبقيت أساعد الأرامل والستات اللي عيالهم رموهم في الشارع، عشان ربنا جعلني سبب في جبر خاطرهم زي ما جبر بخاطري.
وفي ليلة، وأنا قاعدة في الصالة اللي كنت هطرد منها، بصيت لصورة ياسين وقلت: "يا حبيبي يا ابني، نمت مرتاح لأنك كنت بار بيا وأنت عايش، ونصرتني وأنت ميت."
الحكاية دي بتعلمنا إن "البر بالوالدين" دين بيترد في الدنيا قبل الآخرة، وإن ربنا