رواية كاملة
كانت تسير بخطوات سريعة متجهة إلى عملها، وفجأة استوقفها رجل يطلب منها أن يجري مكالمة قصيرة من هاتفها، وقال إنها مسألة مهمة. لم تتردد وأعطته الهاتف، لكنها نبهته برفق
رجاءً لا تتأخر، فمديري لا يتساهل مع التأخير، وقد يخصم من راتبي.
ابتسم قائلاً لن تأخذ دقيقة واحدة فقط.
ثم ضغط الرقم، وبعد لحظات جاءه صوت امرأة على الطرف الآخر، فبدأ الحديث بصوت مبحوح
آلو رجعت من عند أهلي وما لقيت حدا يقدر يعطيني مال، حاولت أشتغل اليوم وما جمعت غير عشرين ألف ليرة بعرف إنها ما بتكفي، وبنتنا محتاجة الأكل بس هذا اللي قدرت عليه. اعطيها شي يسد جوعها هلأ، وبإذن الله بجيب شي أحسن العصر
أنهى المكالمة وهو يشكرها بحرارة. فسألته
هل عندك مشكلة؟
ابتسم مجددًا وقال أبدًا، أنا بخير، كنت فقط أطمئن على زوجتي لتجهز لنا الغداء.
تجمدت في مكانها، ترددت الدموع في عينيها، وقالت في سرّها يا الله هذا الرجل رغم همه الكبير لم يُرد أن يظهر ضعفه أو يطلب مساعدة من أحد
وبدون تفكير، أخرجت راتبها من حقيبتها ومدته له من قلبها. رفض في البداية بإصرار، لكنها وضعت المال في جيبه وقالت
هذه لزوجتك، وليست لك
نظر إليها نظرة عميقة لن تنساها يومًا، وقال بصوت ثابت
سأعيدها لك أضعافًا تذكري هذا.
ثم أسرعت نحو عملها، فهي قد تأخرت كثيرًا. وما إن دخلت حتى وقعت المفاجأة فقد رأت الرجل نفسه أمامها، ولكن بوجه آخر وهيئة مختلفة تمامًا! اقترب منها بخطوات واثقة
توقفت خطواتها فجأة عند باب الشركة اختفى صوت الموظفين حولها، وكأن الزمن تجمّد للحظة.
كان هو.
الرجل نفسه الذي استعان بهاتفها منذ دقائق لكنه لم يعد بملابس بسيطة، ولا بحذاء مهترئ، ولا بتلك الملامح المرهقة التي رأتها
كان يقف أمامها ببدلة رسمية أنيقة، وربطة عنق فاخرة، وشعر مرتب، ورائحة عطر باهظة لا يضعها إلا رجال الأعمال.
وعندما التقت عيناها بعينيه، لم تُصدّق ما ترى.
تقدّم نحوها بخطوات هادئة، بينما شعرت هي أن قلبها يكاد يقفز من صدرها.
قال بابتسامة مختلفة تمامًا عن تلك التي رآها الناس في الشارع
أهلاً أستاذة مريم.
تجمدت أكثر.
معرفة اسمها؟!
سقطت حقيبتها من يدها دون أن تشعر.
انحنت لتلتقطها، لكن يده سبقتها، وناولها إياها باحترام.
ثم أضاف
أتمنى ما تكوني اتأخرتِ بسبب المكالمة.
لم تستطع الرد.
كانت تبحث عن الكلمات، عن تفسير، عن أي شيء يعيد لها توازنها.
اقترب منها أكثر وقال بصوت منخفض
أنا المدير الجديد للقسم اسمي سامر فؤاد.
شعرت بالدوار.
مدير؟!
الرجل الذي ساعدته منذ دقائق مديرها الجديد؟!
تابع بصوت هادئ
كنت في الطريق للمكتب، وقررت أمشي شوية قبل الاجتماع وحدث ما حدث.
كانت كلمات بسيطة لكن وقعها عليها كان كالسهم.
اللحظة التي انهارت فيها قناعته
قالت بتردد
بس المكالمة كلامك لزوجتك
ابتسم هذه المرة ابتسامة حقيقية، ابتسامة رجل يعرف جيدًا ماذا يفعل وماذا يقول.
لم أكذب لكن لم أقل الحقيقة كاملة.
ثم أكمل
تذكري قلت لك سأعيد لك المال أضعافًا.
وضعت يدها على جيبها بارتباك، وتشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها.
سألته بخفوت
كنت تختبرني؟
هز رأسه بلطف
الاختبار لم يكن مقصودًا لكنه كشف لي الكثير.
ثم قال جملة لم تستطع نسيانها ما حييت
الناس الحقيقيون يظهرون في أشد اللحظات بساطة وليس في أكبرها.
دخل الموظفون وبدأت الصدمة الثانية
فتح باب غرفة الاجتماعات، ودخل موظفو القسم واحدًا تلو الآخر.
وحين رآه الجميع لأول مرة، وقفوا احترامًا،
أشار إليها بيده قائلًا أمام الجميع
أستاذة مريم تفضلي اجلسي بجانبي.
ازدادت دهشتها.
هذا شرف لم تنله طوال سنوات في العمل.
ونظر للموظفين ثم قال
هذه الموظفة استطاعت أن تفعل ما لم يفعله كثيرون ولذلك سيكون لها دور مهم في الفترة القادمة.
نظر الموظفون إليها بدهشة.
لم تعرف ما تقول.
بعد الاجتماع الحقيقة تنكشف كاملة
عندما خرج الجميع، استوقفها قبل أن تغادر
تعرفي أنا ذكرت زوجتي في المكالمة، صحيح لكن الحقيقة أكبر من ذلك.
انتظرت أن يكمل وخوف غامض يتسلل إلى قلبها.
أنا منفصل منذ سنتين وما عنديش أولاد. الصوت اللي سمعتيه كان صوت أختي الصغيرة.
رفعت حاجبيها بصدمة.
تابع
كانت محتاجة العملية ضروري لكن ما كنتش عايز أطلب مساعدة من حد ولا أحب أشوف نظرة شفقة على وجوه الناس.
ثم نظر إليها نظرة طويلة وقال
لكن انتي ما شفتيش فيّ شفقة شفتي إنسان محتاج، وساعدتيه بكل قلبك.
هنا لم تستطع منع دموعها من النزول.
قال بخفوت
وما تقدميه من إنسانية لا يُقاس بمال.
المفاجأة التي لم تتوقعها
مدّ لها ظرفًا أنيقًا.
قالت بقلق
ما هذا؟
أجاب بابتسامة
اعتبريها خطوة أولى في رد الجميل ورجاءً لا ترفضي.
فتحت الظرف فإذا بها
ترقية زيادة راتب مكافأة خاصة إشادة رسمية من الإدارة العليا.
رفعت رأسها نحوه ودموعها تتساقط
أنا لم أفعل إلا الواجب.
ابتسم وقال
وأنا أيضًا لم أفعل إلا الواجب.
ثم همس
تذكري ما قدمتيه سيعود إليكِ أضعافًا وهذه مجرد البداية.
نهاية القصة وبداية قصة أخرى
خرجت مريم من المكتب وهي تشعر أن يدًا خفية أزاحت عن قلبها حِملًا كبيرًا.
وللمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن الخير يعود فعلاً
أما سامر فظل واقفًا في مكتبه يراقبها من بعيد.
لم تكن مجرد موظفة.
كانت نقطة الضوء التي أعادت إليه الثقة بالبشر.
وكان يعلم
أن قصتهما لم تبدأ بعد.
غادرت مريم المكتب وملامح الدهشة ما زالت معلّقة على وجهها.
كانت تمشي في الممرّ كأنها لا تطأ الأرض تبحث عن تفسير واحد لكل ما جرى خلال ساعة واحدة فقط.
كيف يمكن لرجل مجهول أن ينقلب في دقائق إلى مديرها؟
كيف يمكن لكلمة طيبة قالتها دون تفكير أن تغيّر حياتها؟
هذا السؤال
ظل يطاردها حتى وصلت إلى مكتبها.
جلسَت، ووضعت الظرف أمامها، وأغمضت عينيها محاولة استيعاب الموقف.
لكنها فُوجئت بزميلتها هند تقف عند الباب، وتقول بنبرة فيها خليط من الحسد والاستغراب
هو إيه اللي بيحصل؟ المدير بنفسه بيشيد بيكي؟! ده حتى احنا بقالنا سنين هنا وماخدناش عشر الكلام ده!
فتحت مريم عينيها ببطء وردّت بهدوء
والله ما عملت حاجة غير إني ساعدت حد.
ضحكت هند بسخرية خفيفة
واضح إنك ساعدتي الشخص الصح!
لم ترد مريم.
فالشيء الذي حدث لم يعد مجرد صدفة وكأن القدر قرر أن يرد لها سنوات من الصبر دفعة واحدة.
في نهاية اليوم حدثٌ آخر يغيّر المعادلة
كانت تستعد للخروج عندما سمعت أحد الموظفين ينادي
أستاذة مريم المدير عايزك قبل ما تمشي.
توقفت للحظة.
قلبها خفق.
ثم اتجهت إلى مكتبه بخطوات حذرة.
طرقت الباب.
فأذن لها بالدخول.
كان سامر يقف قرب النافذة، وأضواء المدينة تعكس خطوط وجهه بوضوح.
التفت إليها، وقال بلطف
اتفضلي كنت عايز أطمن عليكي بس.
جلست بهدوء وهي تحاول التحكم في ارتباكها.
سألها فجأة
إنتي ساكنة فين يا مريم؟
ترددت قليلًا
في منشية ناصر قريب من الشارع الرئيسي.
هز رأسه بتفكير ثم قال
ده بعيد جدًا عن
ثم أضاف بلهجة حاسمة
هسلمك لحد ما تطلعي تاكسي آمن أوصلك بعربيتي لو وافقتي.
رفعت يدها سريعًا كأنها تخاف من طلبه