رواية كاملة
صورة تقبض القلب لبنت صغيرة واقفة مع دميتها، اتصورت من أكتر من مية سنة، لفتت انتباه صديقتين ومعاهم مؤرخ عجوز. لكن الړعب الحقيقي مظهرش إلا لما الخبراء كبّروا الصورة؛ وقتها الوجوه شحبت، والكل وقف مذهول من اللي كشفه السواد اللي مستخبي بين التفاصيل.
رن الجرس البرونزي اللي متعلق فوق باب محل التحف «أنتيكات بينيلوبي»، لما ريم البارودي زقت الأبواب القديمة ودخلت، ووراها علطول كانت صاحبتها القريبة لقلبها مريم. ريحة الخشب المندي والتحف المنسية لفتهم زي حضڼ دافي وعتيق.
مريم همست وعينيها واسعة من الانبهار وهي بتتفرج على الرفوف اللي شايلة كنوز من زمن فات:
«يا خبر يا ريم! بصي المكان ده عامل إزاي!»
ريم عدلت نظارتها المدورة اللي شبه نظارات زمان وابتسمت:
«ده مش محل، ده كبسولة زمن، كأننا رجعنا بالوقت لورا.»
فضلوا يتمشوا في الممرات الضيقة، ولأن ريم خبيرة في ترميم الأعمال الفنية وعينيها متدربة، انجذبت فوراً لركن مخصص للصور الفوتوغرافية القديمة. كانت تقدر تميز القطعة الأصلية حتى لو وسط زحمة. وهناك، ساندة على كومة كتب متجلدة بالجلد، شافت صورة أبيض واسود، صورة توجع القلب متوفره على صفحه روايات واقتباسات بنت عندها ست أو سبع سنين، واقفة على منصة صغيرة في استوديو تصوير قديم. لابسة فستان شيك
ريم قربت وهي بتهمس:
«جميلة.. جميلة بجد.»
البنت كانت ماسكة باقة ورد غامق بإيد رقيقة، لونها لايق على فستانها، والإيد التانية ساندة على ضهر كرسي مزخرف. وهنا بالظبط، السحر والغموض زادوا؛ لأن فوق الكرسي كانت قاعدة دمية من الخزف (بورسلين)، لابسة فستان أبيض وبرنيطة صغيرة، ومحطوطة بعناية فوق كومة كتب.
مريم جسمها قشعر، وحماسها اتحول لقلق لما شافت ريم غرقانة في تأمل الصورة:
«مش عارفة يا ريم.. في حاجة في العروسة دي مش مريحاني، حاسة ببرودة في جسمي.»
ريم ردت بقلة صبر فيها حنية:
«يا مريم كبّري دماغك! دي مجرد صورة من أواخر القرن التسعتاشر. بصي على دقة الفستان والإضاءة، دي قطعة تاريخية نادرة.»
بس مريم مقتنعتش:
«لكن عيون الدمية يا ريم.. كأنها ماشية وراكي، كأنها بتراقبنا.»
ريم ضحكت بخفة وهي بتزق صاحبتها بهزار:
«دي مجرد تقنية تصوير قديمة يا بنتي.. وبعدين إيه اللي يخوف في بنت صغيرة مع لعبتها المفضلة؟»
قرب منهم صاحب المحل، راجل عجوز شعره أبيض وغزير، وقال:
«آه، وقعتوا في غرام الصورة الغامضة؟ بقالي شهور بحاول أبيعها، بس أغلب الناس بيحسوا إنها تقيلة
ريم سألته بلهفة: «بكام؟»
رد العجوز: «خمسين دولار وتكون بتاعتك. دي جت من تصفية ممتلكات في كونيتيكت، ومحدش يعرف مين البنت دي.»
مريم مسكت دراع ريم وقالتلها: «بلاش يا ريم.. قلبي مش مطمن.»
لكن ريم كانت خلاص خدت قرارها: «بلاش أوهام يا مريم، خيالك واسع بزيادة. صورة زي دي لازم تتحفظ وتتقدر، مش تفضل مركونة في محل مليان تراب.»
وبعد جدال طويل متوفره على صفحه روايات واقتباسات ومريم عمالة ترسم سيناريوهات عن عرايس ملعۏنة وأرواح قديمة، ريم قدرت تقنعها إنها بتبالغ. اشترت الصورة ولفّتها في ورق ناعم، وأول ما وصلت شقتها، بدأت تفحصها بكل تركيز.
الصورة كانت حالتها ممتازة رغم سنها، والواضح إن الاستوديو كان محترف جداً، ولبس البنت بيقول إنها من عيلة غنية. وعشان توصل لأصل الحكاية، ريم عرفت إنها محتاجة حد تقيل، ومكنش فيه غيره: والدها.
عبد الرحمن البارودي، مؤرخ وأرشيفجي كبير، قضى أربعين سنة من عمره بيدرس تاريخ التصوير في أمريكا. مكتبه في البيت كان عبارة عن متحف مصغر، مليان أجهزة تكبير وأضواء فوق بنفسجية وخزنات أوراق تاريخية.
استقبلها بابتسامة وهو شايفها شايلة الصورة بحرص:
«يا ترى إيه الكنز اللي وقعتي عليه المرة دي يا حبيبتي؟»
ريم قالت بفرحة:
«صورة من
عبد الرحمن عدل نظارته وبدأ يشوف الصورة. في الأول كانت نظرته عادية، نظرة خبير شاف آلاف الصور زيها، وقال:
«تكوين هايل.. استوديو محترف، غالباً من بدايات القرن العشرين، باين من ستايل الفستان.»
وفجأة.. سكت. ملامحه اتغيرت وبدأ يدقق بحدة.
همس بذهول: «غريبة جداً..»
وبعد فحص طويل، قال بقلق: «أنا محتاج رأي تاني، فيه حاجة في الصورة دي مش منطقية.»
بعد أقل من ساعة، كانت البروفيسورة جريس وصلت، وأول ما شافت الصورة شهقت:
«يا ساتر يا رب.. يا إلهي!»
عبد الرحمن سألها بلهفة: «إنتي كمان شايفة اللي أنا شايفه؟»
ردت: «الوش.. وش الدمية.. ده نسخة طبق الأصل!»
وبدأت توضح لريم المذهولة: «الدمية شايلة ملامح البنت بالظبط، بكل تفصيلة صغيرة في وشها.»
وبعد بحث مكثف في السجلات، وصلوا لقصة "إيزابيلا بومونت"، البنت اللي اختفت سنة 1896 وبعدين لقوها. الحقيقة كانت إن الدمية دي اتصنعت كـ "ڼصب تذكاري" لما الأم افتكرت إن بنتها ماټت، فصممت دمية بملامحها عشان تفضل معاها.
في اللحظة دي، ريم فهمت الحقيقة:
الصورة مكنتش مرعبة..
دي كانت شاهد مؤلم وحزين على الحب، وعلى الړعب من الفقد، وعلى محاولة البشر اليائسة إنهم يخلوا البراءة تعيش للأبد.
ريم قالت
«العروسة مكنتش ملعۏنة يا مريم.. العروسة كانت رسالة حب.»