قيمه نفسي.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

كلمة "عبء" دي وقعت على ودني بتقل غريب؛ مكنتش كلمة حادة بتجرح وخلاص، لأ، دي كانت كلمة مركونة ومتحوشة بقالها سنين، وأخيراً لقت الفرصة عشان تطلع للنور. 
كنت حاسة بيها ومستخبية ورا جمل تانية كتير، متغلفة بأسلوب "خيبة الأمل" اللي أهلي كانوا بيعاملوني بيه.

بقلم منــال عـلـي 

بس أبويا عمره ما نطقها صراحة قبل كده، عمره ما جمع حروفها ورمى بيها في وشي وسط المطبخ اللي ريحته كانت "زفرة" من التنظيف  ومخلوطة بريحة خناق عائلي بقاله تلاتين سنة.
كنت وقتها عندي 27 سنة.
مؤسسة شركتي الخاصة وأنا لسه مكملتش الـ 24.
قعدت قدام مديرين تكنولوجيا المعلومات في أكبر شركات "النايل سيتي" والقرية الذكية، وشرحت لهم بلسان واثق فين الخلل اللي في السيستم بتاعهم، وإيه اللي ممكن يخسروه لو كبروا دماغهم.  بقلم منال علي 
جالي عروض شراء لشركتي من حيتان في السوق، شركات عدد موظفيها أكبر من سكان منطقتنا في المنصورة، ورفضتها بتقل، ثقة حد عارف قيمة تعبه كويس وميغرهوش أي قرشين.ومع كل ده متوفره على روايات واقتباسات 
كنت واقفة في مطبخ أهلي، بيتقال لي إني "عالة" و"عبء"، وكسوف الطفولة اللي كان دايماً بيلازمني بيحاول يسيطر عليا لآخر مرة.
بس المرة دي.. معرفش.
أبويا قالها وهو وشه بارد كأنه بيقول معلومة عادية: «لمي عزالك وانزلي اشحتي في الشوارع».
كان صوته أهدى من الغضب، وده كان أرذل، برود راجل أقنع نفسه إن اللي بيعمله هو الصح وهو ده "الأدب".
أمي فضلت باصة لبلاط المطبخ، وسماح قعدت تفرك في إيدها بتبص لضوافرها. أما محمود فطلع صوت كأنه بيضحك، وكأنه انتصر في قضية. العيال

الصغيرين سكتوا خالص، كعادة الأطفال لما بيحسوا إن "الجو مكهرب" من غير ما يفهموا ليه.
بصيت لأبويا بصه طويلة وما نزلتش دمعة واحدة.
أنا عيطت في المطبخ ده كتير زمان، وعرفت إن الدموع عمرها ما غيرت رأيه ولا حننت قلبه.
قلت بهدوء: «تمام.. اللي تشوفه».
طلعت فوق، لميت شنطتي الصغيرة، وركبت العربية اللي كنت مأجراها وطلعت من البيت، سبت ورايا السلم المكسور وبيت طفولتي، وطلعت على الطريق الزراعي والشمس لسه بتودع الشجر. كنت ماشية براحة، ملتزمة بالسرعة، ومبصيتش في المراية اللي ورايا نهائي، لأني مكنتش محتاجة أشوف أي حاجة تانية في الليلة دي.
موبايلي رن الساعة 9:47 بالليل.
كنت وقتها وصلت "أوتيل" في القاهرة. أوضة نظيفة، ريحة تكييف، وخدمة غرف في نص الليل—لأني خلاص بقيت ست ناضجة وعندها شركتها، ومش مضطرة أختار "لوكاندة" رخيصة طالما قادرة أدفع تمن راحتي.
رديت من غير ما أبص للرقم، افتكرت مهندس من عندي بيكلمني عن مشكلة عند عميل.
بس اللي كان بيتصل مكنش مهندس.. ده كان البنك.
«يا آنسة إيمان، بنكلمك عشان نأكد عملية تحويل لحسابك تمت النهاردة بالليل. المبلغ كبير ومحتاجين نأكد إنك اللي صرحتي بيه.»
التحويل ده كان من صفقة بيع حصة من شركتي "إيمان للأمن الرقمي" لمجموعة مستثمرين كنت بتفاوض معاهم بقالي شهور.     بقلم منــال عـلـي 
المبلغ كان: تلاتين مليون جنيه .. رقم يخلي البنك نفسه يقف لي تعظيم سلام ...
قلت بكل برود: «أيوة، أنا اللي صرحت بالتحويل».
قعدت على طرف السرير بعد ما المكالمة خلصت، وبصيت للرقم على شاشة الموبايل.
محستش بصدمة ولا إن ده حلم.. بالعكس، كنت حاسة إن
ده "العدل".
ده نتيجة سنين من السهر، وشرب القهوة المرة، والشغل اللي بجد.
طلبت برجر "سبيشيال" من الفندق، أكلت ونمت أحلى نومة في حياتي.
بس الصبح كان قصة تانية خالص.
الرسايل بدأت تهل من الساعة 7 الصبح. واضح إن حد في العيلة "نبش" ورايا وعرف الحقيقة.
أول رسالة من محمود  اخويا المحامي
«صباح الخير يا إيمان، أتمنى تكوني وصلتي بالسلامة. أنا آسف بجد على اللي حصل امبارح.. كلميني ضروري.»
بعدها سماح (الممرضة):
«سمعت أخبار النهاردة الصبح.. مش متأكدة من صحتها بس بفكر فيكي. بحبك يا أختي.»
بعدين أمي، بلهجتها اللي بقت فجأة ناعمة:
«إيمان يا بنتي، إحنا فخورين بيكي قوي. عايزين نتكلم معاكي لما تفضي.»
ورجع محمود تاني، بس المرة دي بحماس أكتر:
«أنا عرفت موضوع شركتك! إنجاز عالمي يا وحش. أنا طول عمري كنت عارف إنك هتوصلي. لازم نتقابل ونحتفل.»
"كان عارف طول عمره"... دي معلومة جديدة عليا خالص!
وبعدين رسالة من أبويا:
«إيمان، أنا أبوكي. أرجوكي كلميني. أنا غلطت في حقك واعتذاري واجب.»
الرسالة دي مبعوتة الساعة 6:23 الصبح.
يعني بعد أقل من 12 ساعة من جملة «انزلي اشحتي في الشوارع».
وختمها محمود بطلب "سلف" 100 ألف جنيه عشان "يمشي حاله" في قضية متعطلة.
12 ساعة بس...
اتحولوا فيها من: "انزلي اشحتي" لـ "إحنا أهل والعيلة سند لبعض"، مش كده؟
الموضوع كان مضحك.. ومقرف في نفس الوقت.
سبت الموبايل وكملت يومي عادي: اجتماعات، تقارير، مكالمات.
وبعدين أخدت قراري.
رجعت التجمع، واليوم اللي بعده ركبت عربيتي "التيسلا" وقصدت إني أروح بيها لبيت أهلي في المنصورة.
مروحتش عشان أتمنظر.
روحت عشان "يتشاف"
تعبي.
دخلت البيت، كانوا كلهم قاعدين مستنيين في صمت غريب، كأنهم مستنيين "الوزيرة" تدخل عليهم.
قلت لهم: «أنا هحكي لكم حكايتي.. وعايزاكم تسمعوا للآخر ومحدش يقاطعني.»
حكيت لهم من الأول خالص:
النوم على الكنبة، أكل الإندومي، الشغل في "سايبر" بالليل، وإزاي بنيت نفسي طوبة طوبة من غير ما حد فيهم يحط إيده في إيدي.
حكيت لهم عن الشركة، وعن النجاح، وعن الصفقة اللي خلتني مش محتاجة لحد لبقية عمري.
طلعت الموبايل.. ووريتهم الرقم في حسابي.
السكوت كان سيد الموقف.
قلت لهم:
«المشكلة مش إني طلعت صح وأنتم غلط...
المشكلة إنكم محاولتوش في يوم تسألوني: إنتي بتعملي إيه؟»
وكملت:
«أنا رجعت عشان وحشتوني.. مش عشان محتاجة منكم حاجة.»
بصيت لأبويا وقلت له:
«إنت قلت لي إني "عبء".. والكلمة دي مكنتش جديدة، دي كانت أول مرة تقولها بلسانك بس، لكنها كانت واصلة لي في كل نظرة استقلال زمان.»
وبالراحة.. كل حاجة بدأت تتغير.
أبويا اعتذر بجد.
اعترف بخوفه، واعترف إنه كان حاسس بالتهديد من نجاحي اللي مش فاهمه.
واتكلمنا.. لأول مرة بصدق، من غير "أقنعة".
بعدها عرضت عليه أساعده في شركته اللي بتخسر، ووافق بكسرة عين.. بس أنا شيلت الكسرة دي منه بكلمتين حلوين.
ومع الوقت.. العلاقة اتغيرت.
الموضوع مكنش فلوس، ولا عربية تيسلا، ولا رصيد في البنك.
الموضوع كان حاجة واحدة بس:
إني اشتغلت في الضلمة، من غير ما حد فيهم يؤمن بيا...
ورجعت مش عشان أثبت حاجة،
لكن عشان أكون "إيمان" اللي بجد، اللي مكنوش عايزين يشوفوها.
ولو الزمان رجع بيا تاني...
هعمل كل ده من جديد بنفس التعب.
بس الفرق إني دلوقتي مقتنعة إني مش مضطرة أثبت
حاجة لحد.. كفاية إني عارفة قيمة نفسي.
وهو ده فعلاً الجزء اللي يستاهل إني أحتفظ بيه.

تم نسخ الرابط