وقـت الحـساب كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

— «والله يا جوز أختي، الشقة دي خدت مني شقى عمري. بس كله يهون عشان الراحة»، قالها ماهر وهو بيشاور على النجف الكريستال اللي سلمى جابته في عيد ميلادها بفلوس "جمعية" كانت عاملاها. متوفرة على روايات و اقتباسات
في اللحظة دي، سلمى خرجت من المطبخ. ما كانتش شايلة صواني الأكل، كانت شايلة شنطة سفر صغيرة، وفي الإيد التانية شايلة ياسين اللي كان نايم في "البيبي كوت" بتاعه.
الكل سكت. ماهر قام وقف وهو مستغرب:
— «إيه ده؟ أنتِ واخدة الواد ورايحة فين في وسط العزومة؟ والأكل فين؟»
سلمى وقفت في نص الصالة، بصت لحماها وحماتها، وبعدين ركزت عينيها في عين ماهر. ملامحها كانت خالية من أي تعبير، لا عياط ولا انكسار.
— «الأكل على النار، تقدروا تغرفوا لنفسكم. والبيت.. بيتك يا ماهر، زي ما دايماً بتقول. حيطانك وأرضك، اشبع بيهم.»
ماهر وشه بقى ألوان، حاول يداري كسفته قدام أهله وزعق:
— «أنتِ اتجننتي؟ ادخلي جوه فوراً وبطلي جنان! أنتِ فاكرة الخروج بالساهل؟» بقلم منــي الـسـيد 
سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة، الابتسامة اللي بتيجي بعد فوات الأوان. طلعت من جيبها رزمة ورق، رمتها على السفرة قدام الكل.متوفرة على روايات و اقتباسات
— «دي فواتير العفش، ودي عقود الأجهزة، وده شيك التجديدات اللي بابا دفعه. كل مسمار في البيت ده بفلوسي وفلوس أهلي. أنت ليك الحيطان وبس، والحيطان دي كانت خرابة لولا وجودي.»
نادية شهقت: «يا لهوي! أنتِ بتذلي ابننا بفلوسك يا سلمى؟ دي آخرة التربية؟»
سلمى بصت لها بهدوء: «لا يا طنط، أنا بفكره بس بـ "أصله" اللي نسيه
وهو بيقول لي الباب يفوت جمل. أنا دلوقتي اللي ماشية، بس مش راجعة بيت بابا مكسورة.. أنا راجعة عشان أبدأ من جديد.»
ماهر حاول يمسك إيدها بعنف: «أنتِ مش هتخرجي من هنا بالواد! ده ابني!»
سلمى زقت إيده بقوة ما عرفتش إنها عندها، وقالت بصوت هز الحيطان اللي كان بيفتخر بيها:
— «ابنك اللي ما تعرفش سهر كام ليلة تعبان؟ ابنك اللي ما كلفتش خاطرك تسأل ماله وهو بيسنن؟ ياسين هيمشي معايا، والقانون بيننا يا "صاحب البيت".»
فتحت باب الشقة. الهوا اللي دخل من السلم كان أبرد وأجمل من أي هوا شمه صدرها من سنين. لفت وشها للمرة الأخيرة وقالت:
— «آه، صحيح.. اللحمة على النار، ابقى خد بالك لا تتحرق.. عشان الحيطان "بتاعتك" ما تسودش من الدخان.»
خرجت وقفلت الباب وراها بكل قوتها. الهدوء اللي نزل على قلبها وهي بتنزل السلم كان غريب. ياسين اتحرك في حضنها وفتح عينيه، بص لها وابتسم. سلمى ضمت ابنها لصدرها وقالت له وهي بتركب تاكسي كان مستنيها تحت:
— «خلاص يا حبيبي.. مفيش حيطان هتخوفنا تاني.. إحنا اللي بنبني بيوتنا بقلوبنا، مش بالخشب والرخام.»
التاكسي اتحرك، وسلمى كانت بتبص من الشباك على الشوارع اللي بدأت تنور. لأول مرة من سنين، حست إنها مش خايفة من بكرة. السلسلة اتكسرت، والوحش اللي كان نايم جواها صحي عشان يحميها، ويحمي ابنها.
كانت بداية رحلة صعبة، أيوة، بس كانت رحلة بتمشيها على أرض هي اللي اختارتها، مش أرض مفروضة عليها بـ "جميلة" حد. ومن الليلة دي، سلمى ما بكتش تاني أبدًا على حاجة ضاعت، لأنها عرفت إن اللي ضاع كان هو السجن، واللي كسبته
هو نفسها.
الفصل الأخير: الحساب
بمجرد ما سلمى قفلت باب التاكسي، طلعت موبايلها وإيدها لسه بتترعش بس من الحماس مش من الخوف. طلبت رقم واحد بس: «بابا.. أنا في الطريق ليك.»
كل اللي قاله والدها، الحاج منصور، كان جملة واحدة: «بيتك مفتوح لك يا بنتي، وصقرك مستنيكي على السطح.. ما تشيليش هم حاجة واصبري عليا.»
بعد يومين بالظبط، وماهر لسه بيحاول يستوعب الصدمة وبيحاول يقنع أهله إنها "شوية وهترجع تبوس الإيد"، جرس الباب رن بحدة.
فتح ماهر الباب وهو فاكر إنها سلمى راجعة ندمانة، بس لقى قدامه الحاج منصور، وجنبه محامي وتلاتة عمال بملابس شغل، ومعاهم "عتلة" وشواكيش.
ماهر اتلخبط: «أهلاً يا حمايا.. اتفضل.. خير؟ سلمى بعتت حضرتك تصالحنا؟»
الحاج منصور دخل الصالة بخطوات تقيلة ووقار يرعب، ما قعدش، فضل واقف وبص لماهر نظرة خلت ركبه تخبط في بعضها:
— «أنا مش جاي أصالح يا ماهر. أنا جاي آخد حاجتي اللي في بيتك.. مش أنت قلت لـ بنتي إنك أنت اللي فاتح البيت وصارف؟ وقلت لها إن الحيطان دي حيطانك؟»
ماهر بلع ريقه: «يا حاج منصور، ده كان وقت غضب، وأنت عارف البيوت أسرار..»
قاطعه الحاج منصور بصوت زي الرعد:
— «البيوت أسرار لما يكون فيها رجالة بتصون، مش عيال بتمنّ باللقمة! أنت قلت "حيطاني".. وأنا جاي أسيبلك حيطانك "ع المِحارة" زي ما كانت.»
شاور الحاج منصور للعمال: «ابدأوا يا رجالة.»
ماهر وقف مذهول وهو شايف العمال بيفكوا التكييفات اللي لسه بكرتونتها، وبيرفعوا الرخام اللي في المطبخ، وبيرفعوا السجاد "الشنواه" الغالي.
— «أنت بتعمل إيه يا حاج؟
دي شقتي!» صرخ ماهر بذهول.
المحامي طلع ورق وحطه تحت عينه: «دي فواتير بكل مسمار في البيت ده باسم الحاج منصور وباسم بنته سلمى. قانوناً، الحاجات دي ملكنا، وإحنا بنسترد أمانتنا.. والحيطان بتاعتك اهي، محدش لمسها.»متوفرة على روايات و اقتباسات
في ظرف ساعات، الشقة "المثالية" اللي كان ماهر بيتباهى بيها قدام صفاء وجوزها، اتحولت لخرابة. السيراميك اللي كان بيلع بقى أرضية أسمنت، النجف اتشال وساب مكانه سلوك عريانة، والشبابيك الألوميتال اتفكت ورجعت "خشب قديم" مكسر.
وقف ماهر في نص الصالة، حواليه حيطان فاضية، وبقع تراب، وصدى صوته. مفيش كنبة يقعد عليها، ولا بوتاجاز يسخن عليه لقمة.
الحاج منصور وقف عند الباب قبل ما يمشي، بص لماهر وقال له ببرود:
— «أدي حيطانك يا "سيد الرجالة".. اشبع بيهم. بنتي مش بس خدت عفشها، دي خدت كرامتها اللي حاولت تكسرها. وبالنسبة لياسين، نتقابل في المحكمة، بس قبل ما تيجي، ابقى اشتري هدوم جديدة تليق بالمقام.. لأن اللي أنت لابسه ده، بتهيألي سلمى هي اللي كانت بتكويه لك.»
خرج الحاج منصور وقفل الباب وراه، وساب ماهر في وسط الهدد. ماهر قعد على الأرض الأسمنت، ساند ضهره على الحيطة اللي كان بيحلف بيها، واكتشف إن الحيطان من غير "روح" سلمى ومن غير "سند" أهلها، هي مجرد سجن بارد وواسع.. ملوش أي قيمة.
أما سلمى، فكانت في الوقت ده قاعدة في بلكونة بيت أبوها، شايلة ياسين وبتبص للنيل، وبدأت فعلاً تحس إنها "رنت" من جديد.. بس المرة دي، الأرض ثابتة تحت رجليها، والحيطان اللي حواليها هي حيطان الحب، مش حيطان التملك.

النهاية 
بقلم منــي الـسـيد 

تم نسخ الرابط