ابني زعقلي
يوم الجمعة، البيت كان عامل زي الصوان.. محمود حاول يكلمني بكل الطرق، بدأ بـ "يا ست الكل أنا كنت بهزر"، ووصل لـ "إنتي أكيد جرالك حاجة في عقلك". حتى أخت جوزي سعاد جت تحاول تهدي النفوس وتقولي: "يا هدى يا حبيبتي، ده ابنك الوحيد، هترميه في الشارع عشان كلمة اتقالت في ساعة غضب؟".
بصيت لسعاد وقولت لها: "ساعة غضب يا سعاد؟ محمود مكنش غضبان، محمود كان "فرعون". كان فاكر إني كبرت وخرفت ومحتاجة له، فقرر يدوس على رقبتي. اللي يبيع أمه عشان خاطر أوضة، ملوش عندي خاطر".
يوم السبت الصبح، بدأت شركة الشحن تنقل حاجتي. أنا مخدتش معايا غير ذكرياتي، صوري، وهدومي، وشوية تحف غالية كنت أنا اللي شارياها. أما العفش التقيل، فبعته مع البيت للملاك الجداد.
محمود كان قاعد على السلم حاطط راسه بين إيديه، ونيرمين عمالة تلم في شنط الهدوم وهي بتعيط
وقفت قدامها وقولتلها: "البيت اللي يتخرب بقرار بيع، مكنش بيت من الأول يا نيرمين، ده كان فندق مجاني وإنتي كنتي النزيلة المزعجة".
الانتقال لعالم تاني
ركبت عربيتي، وفتحت الـ GPS على "رأس البر". الطريق كان طويل، بس لأول مرة في حياتي مكنتش حاسة بالتعب. كنت حاسة إني بخلع توب قديم كان خانقني.. توب "الأم المضحية بزيادة" اللي بتسمح لأولادها يركبوا فوق كتافها.
وصلت البيت الجديد قبل الغروب. البيت كان روعة.. ريحة البحر كانت مالية المكان. السمسار كان مستنيني، سلمني المفاتيح وقالي: "مبروك يا ست هدى، البيت نور بصاحبته".
دخلت البيت، فرشت مفرش بسيط على الترابيزة اللي في البلكونة، وعملت كوباية قهوة وبصيت للبحر. كان صوت الموج بيقولي "حمد الله على السلامة في حياتك
المفاجأة اللي قصمت ظهر البعير
عدى أسبوع.. تليفوني مكنش بيبطل رن. محمود، نيرمين، خالاته، عماته.. الكل شغال واسطات. لحد ما محمود بعت لي رسالة صوتية وهو بيعيط: "يا أمي، إحنا مبهدلين، نيرمين راحت عند أهلها وهما بيتهم ضيق، وأنا نايم في المكتب في الشغل.. المشتري الجديد جه وطردنا في نص الليل ومعاه قوة من الشرطة.. ابوس إيدك قولي لي إنتي فين؟".
مسحت الرسالة وما ردتش. بس الصدمة الكبيرة كانت لما عرفوا الحقيقة الكاملة.
أنا مبعتش البيت القديم عشان الفلوس بس.. أنا كنت عارفة إن محمود واخد قروض بضمان إنه "هيرث" البيت ده، وكان عامل حساباته على كده. لما بعت البيت، البنك قلب عليه الدنيا، وبقت الديون محاصراه من كل حتة.
نيرمين لما عرفت إن محمود "مفلس" وإن البيت راح ومفيش ورث، مكملتش معاه يومين. طلبت الطلاق وخدت هدومها وراحت
الست هدى "الخطيرة"
دلوقتي، وأنا بكتب لكم الحكاية دي من بلكونتي في رأس البر، الدنيا شتا والبحر هايج وجميل. أنا مش ندمانة.. بالعكس، أنا ندمانة إني عملت كده متأخر.
محمود دلوقتي شغال شغلانتين عشان يسدد ديونه، وبيجي لي مرة كل شهر "زيارة" مسموح له فيها يقعد ساعة واحدة بس في الجنينة. ملوش مفتاح للبيت، وملوش كلمة على مليم من فلوسي.
بقى بيتعامل معايا بمنتهى الأدب والاحترام، مش عشان خايف مني، لا، عشان عرف قيمتي لما "اترمى في الشارع" زي ما كان عايز يعمل فيّ.
نصيحة لكل أم:
حبك لأولادك مش معناه إنك تلغي نفسك. ضحي عشانهم، بس متخليش تضحيتك تبقى "سجادة" يدوسوا عليها. خلي ليكي دايماً "خطة ب"، وخليكي دايماً "صاحبة البيت" مش مجرد "عايشة فيه".
الحياة
تمت