رواية كاملة

لمحة نيوز


قلت له: "ده بالظبط اللي حصل."
سكت لما حطيت قدامه كشوف الحسابات المطبوعة على الرخامة. ست تحويلات. تمنية وأربعين ألف وسبعمائة جنيه. كل قرش فيهم راح لحساب مركز التجميل بتاع نيرمين أو لموردين ليهم علاقة بشغلها. بص للورق وغير خطته بسرعة أذهلتني؛ فجأة بقى "آسف"، وفجأة بقى "مضغوط"، وفجأة كان "ناوي يقول لي" بعد العشاء لأن نيرمين وجوزها شريف خلاص أمورهم استقرت.
بس الحقيقة ظهرت من طريق مكنتش متوقعة.
على الظهر، شريف جوز نيرمين كلمني وطلب يقابلني في كافيه في الزمالك. كان شكله منتهي؛ ربطة العنق مفكوكة، والقهوة ملمسهاش. قال لي إنه مكنش يعرف أي حاجة عن المبالغ اللي ياسين بيبعتها لنيرمين. كان عارف إن عندهم أزمة سيولة، بس مكنش يعرف إنها بتخطط من وراه مع ياسين، وأكيد مكنش يعرف إن فيه "خطة" عشان يطلبوا مني أمول فرع جديد بعد التحلية! وراني رسالة ياسين باعتها له قبلها بيومين: *"هي مش هتقدر تقول 'لأ' قدام الناس.. أنا هسحب الفيزا 'البريميوم' بتاعتها الأول وندفع الحساب، وبعدين نبقى نتكلم في الأرقام."*
الرسالة دي كانت توجع أكتر بكتير من فاتورة المطعم.
المحامي رفع قضية طلاق يوم الإثنين، وبعت إنذار لياسين بعدم مسح أي رسايل أو إيميلات أو سجلات بنكية. حماتي كلمتني ليلتها وطلبت مني "مخربش بيتي عشان سوء تفاهم". قلت لها سوء التفاهم بيحصل مرة واحدة، لكن ست تحويلات

مستخبية وفخ في مكان عام.. ده "منهج" مش سوء تفاهم.
ياسين كلمني متأخر، وصوته كان أهدى. قال لي إنه عمره ما خانني، ولا عمره مد إيده عليا، ولا كان ناوي يسيبني.. وكأن الخيانة متبقاش خيانة إلا لو كانت في "أوضة فندق". قلت له إن الثقة مش بتموت بس في غرف الفنادق، ساعات بتموت بـ "كليكات" هادية، تحويل ورا تحويل، وشريك حياتك قاعد مبتسم في وشك على العشاء وبيمد إيده في شنطتك.
سكت فترة طويلة، وبعدين قال: "أنتِ بجد خططتي لكل ده."
قلت له: "أيوة.. لأنك أنت اللي بدأت."
**الجزء الثالث والأخير**
الطلاق أخد سبع شهور؛ وقت طويل ومرهق. مكنش فيه صريخ في المحاكم، ولا تربيزات اتقلبت، ولا اعترافات في اللحظة الأخيرة. النهايات الحقيقية بتبقى عبارة عن ورق، وأوض انتظار، وتحويلات بنكية، وانهيار بطيء للأكاذيب اللي أصحابها مبعوش قادرين يدفعوا تمنها.
المحامي بتاعي كان "نفسه طويل" جداً. وبمجرد ما شريف (جوز نيرمين) سلمنا الرسايل، وفواتير الموردين بتوع نيرمين انطلبت رسمياً، رواية ياسين بدأت تنهار. حاول يدعي إن الفلوس دي "أموال مشتركة" ومن حقه يتصرف فيها، بس الرد كان بسيط: الفلوس المشتركة مش حساب سري لشخص واحد، خصوصاً لما يكون فيه تعمد للإخفاء وخداع عشان يورطني في التزامات مالية تانية. القضية مكنتش "صرف فلوس"، القضية كانت "تلاعب واستغلال".
نيرمين في الآخر اضطرت تجيب محامي
لنفسها، وهنا لغة "العيلة والأصول" اتقلبت فجأة للغة "أرقام وحسابات". الأرقام مفيهاش مشاعر. من وسط الفلوس اللي ياسين حولها، قدرنا نسترد حوالي تلاتين ألف جنيه كانوا لسه موجودين في حساب نيرمين. الباقي كان راح في إيجارات متأخرة للمركز، ورواتب، ومقدم معدات للفرع الجديد اللي شريف مكنش يعرف عنه حاجة. وتحت الضغط، نيرمين مضت على اتفاق رد مبالغ كجزء من التسوية. شريف، وللحق، وقف في صفي، كان شكله زي واحد اكتشف فجأة إنه كان متجوز "ممثلة" مش زوجة.
ياسين عزل وراح شقة إيجار في منطقة بعيدة، واضطر يبيع عربيته بعد تلات أسابيع. دي كانت أكتر حاجة وجعته؛ مش مصاريف المحاماة ولا الانفصال، لكن "المنظر العام" وهو بيصغر. هو بنى كيانه كله على إنه يبان الشخص المقتدر، الكريم، اللي مسيطر.. وبمجرد ما اتكشف السجل المالي، بان على حقيقته؛ مجرد "وسيط" بيصرف شقى وتعب حد تاني.
قابلته مرة واحدة بس بعد التسوية في مكتب المحامي. سألني لو كنت فكرت في يوم إني أسامحه. قلت له السؤال ده جه متأخر قوي؛ السماح بيحتاج صراحة "قبل" ما الشخص يتكشف، مش بعدها. فضل يقول إنه "اتوتر" عشان نيرمين أخته وكانت في أزمة. سألته ليه المنطق ده منطبقش عليا وأنا مراته؟ مللقاش رد مفيهوش أنانية.
على بداية الربيع، الطلاق بقى رسمي. اشتريت شقة تانية في "التجمع"، قريبة من شغلي وبعيدة عن العيلتين عشان أقدر
أتنفس. غيرت الشنطة الكبيرة اللي كنت واخدها في مطعم "جراند" بشنطة تانية صغيرة "كروس" على ذوقي. يمكن يبان موضوع بسيط، بس في جوازة كانت فيها الأشياء مجرد رموز، إنك تختاري حاجة لنفسك ده كان إنجاز عظيم.
بعد شهر، نيرمين طلبت تقابلني. كنت هرفض، بس الفضول غلبني. قعدنا في "بيكري" هادي في يوم ممطر. كان باين عليها إنها كبرت.. مش في السن، لكن في الهم. اعترفت لي إن ياسين كان مفهمها إني بكون "مبسوطة" وأنا بدفع، عشان ده بيحسسني بأهميتي! اعترفت إنها صدقته لأن البديل كان أوحش بكتير؛ إنها بتسرق فلوس ست هي أصلاً مش بتحترمها. اعتذرت، ولأول مرة اعتذارها كان حقيقي ومفيهوش زواق. شكرتها، وقلت لها إني لسه مستنية كل قسط في ميعاده.
آخر حاجة ياسين لقاها في شنطتي مكنتش "انتقام".. كانت "دليل" إني بطلت أخلط بين الحب وبين الاستغلال. خناقة المطعم مكنتش هي اللي نهت جوازي، هي بس كشفت الجواز اللي كنت عايشة فيه: جواز كان صوتي فيه مسموع بس لما أوافق، ومحفظتي فيه ملكية عامة لحد ما قررت أقفلها بالجنازير.
الناس لسه بتسألني لو اللي عملته في المطعم كان "دراما" زيادة؟ يمكن. بس ساعات الدراما بتكون هي الطريقة الوحيدة لظهور الحقيقة في العلن، بعد ما اتقتلت في السر. ولما فاتورة الـتمن تلاف جنيه نزلت على الترابيزة، قررت إني خلاص مش هدفع تمن دروس أنا أصلاً اتعلمتها.
النهاية بقلم انجي
الخطيب 

 

تم نسخ الرابط