رواية كاملة

لمحة نيوز


بابا بصوت هادي جداً لدرجة إني استغربت نفسي
يعني بالنسبة لكم، بنتي متساويش ولاد أخويا؟
بابا مصلحش الجملة.. ودي كانت أكتر حاجة وجعتني. متراجعش، مقالش فهمتي غلط.. بس كح وقال بمنتهى الثبات الوضع مختلف.. أحمد وراه مسؤوليات، وعنده ولدين، وبيت محتاج دعم.. إنتِ معاكي محمود، وإنتِ خلاص بقى ليكي عيلتك المستقلة.
الكلمات نزلت عليا زي المسامير.. عيلتك المستقلة.. كأن البنت اللي نايمة في الأوضة اللي جنبية، اللي لسه أثر الدموع على خدها، مبقتش حفيدته لمجرد إنها بقت بنتي أنا؟ كأن جوازي خلاني أقل بنتاً، وخلى بنتي أقل دماً؟
لحظة الانفجار الصامت
مصرختش.. قضيت سنين أتخيل إني لو واجهت الحقيقة دي هعمل بركان، بس اللي حصل كان صوت تكة في قلبي.. باب واتقفل للأبد.
قلت له بقالي تلات سنين ببعت لكم فلوس كل يوم جمعة.. ساعات قبل ما أجيب خزين البيت، وساعات قبل ما أدفع الإيجار.. والنهاردة إنت سيبت بنتي باصة للباب عشان عزومة كورة عند أخويا كانت أهم؟
صوت بابا بقى حاد مفيش داعي لقلة الأصل.. إحنا مطلبناش منك تمسكي لنا الدفاتر وتعدي ورايا!
كنت هضحك.. الناس اللي بتاخد أكتر بيكرهوا جداً وجود فواتير. سمعت أمي في الخلفية بتسأل بابا هي لسه زعلانة؟، كأن وجع بنتي مجرد مود وهيعدي مش حقيقة مرعبة ظهرت.
قفلت السكة من غير سلام.
كشف المستور
يوم الجمعة جه بعد تلات أيام.. الساعة 9 الصبح، كنت واقفة في

شغلي، وماسكة موبايلي. بقالي تلات سنين صباعي بيتحرك لوحده كل جمعة تحويل.. تأكيد.. إرسال. ال 2500 جنيه كانوا بيخرجوا من حسابي قبل ما الأسبوع يبدأ يضحك لي حتى.
المرة دي.. معملتش حاجة.
الساعة 907 الموبايل بدأ يتهز في جيبي.. أمي.
طبعاً.. الناس اللي نسيوا عيد ميلاد بنتي، عندهم حاسة سادسة للفلوس اللي نقصت.
رديت مبعتش الفلوس.
قالت بحدة ليه؟
قلت لها عشان لو عيلتي متتحسبش زي عيلة أخويا، يبقى فلوسي كمان متتحسبش زيها.
أمي بدأت تعلي صوتها وتتهمني بالظلم وتفكرني ب الديون و البيت اللي هيضيع.. بس المرة دي قلت لها طب ابعتي لي وصل القسط الأخير بتاع الشقة.
سكتت.
بقلم انجي الخطيب 
قلت لها عايزة أشوف الوصلات.. الميزانية.. أي حاجة تثبت إن الفلوس دي بتروح لديونكم فعلاً.
ردت ببرود إنتِ مش واثقة فينا يا سارة؟
قلت لها لأ.. مش واثقة.
الصدمة الكبرى
بعد ساعة، عمتي كريمة كلمتني.. هي الوحيدة اللي قلبها علينا بجد.
قالت لي بصوت تعبان أمك قالبة الدنيا.. بتقول إنك قطعتي المعونة.. أنا قلت لها ده حقها بعد اللي عملتوه في ليلى، إزاي متوقعة إن سارة تفضل تدفع لولاد أحمد مصاريف مدرستهم وتشوف بنتها بتتحرم؟
الأرض لفت بيا.. قعدت على كرسي خشب في المخزن وضغطي نزل.
قلتي إيه يا عمتي؟ مصاريف مدرسة مين؟
هنا عرفت الحقيقة اللي أهلي مخبينها.. البيت مكنش هيضيع ولا حاجة، بابا وأمي سددوا ديونهم من زمان،
بس الخناقة الحقيقية كانت لما أحمد أخويا قرر يدخل ولاده مدرسة دولية International مصاريفها فوق طاقته.. وتحويلاتي الأسبوعية كانت هي اللي بتسد الفجوة.
مش القرض.. ولا الديون.. ولا شغل بابا اللي قل.. الفلوس كانت بتروح لشنط الكورة، ودروس السباحة، ومصاريف المدرسة لأولاد أخويا عشان هما اللي شايلين اسم العيلة، في الوقت اللي كانت بنتي بتلبس فيه صندل ضيق عشان أوفر تمنه لأهلي!
المواجهة الأخيرة
رحت لبيت أهلي يوم الأحد.. مكنتش رايحة عشان أعاتب، كنت رايحة عشان أنهي القصة.
أول ما دخلت، لاحظت حاجات مكنتش بشوفها.. سجاد جديد.. تكييف جديد في الصالة.. وشاشة تلفزيون ضخمة. فلوسي كانت في كل ركن في البيت، مترجمة لرفاهية، وأنا في بيتي كنت بعمل حساب ال 5 جنيه.
أمي طلعت من المطبخ ببلوزة غالية وقالت بوش خشب جاية تهددينا؟
أحمد كان قاعد فارد ضهره ولا كأنه عمل حاجة.. وبابا بيبص لي بغضب.
قلت لهم يعني ليلى تستنى ورا الباب في عيد ميلادها وتعيط، وأنا أدفع مصاريف مدرسة ولاد أحمد؟
بابا وقف وقالها بوضوح البنت مصيرها لبيت جوزها يا سارة.. لكن ولاد أخوكي هما اللي هيكملوا اسمي.. مسؤوليتك غير مسؤوليته.
الجملة دي كانت النهاية.
طلعت من شنطتي ورقة البنك اللي بتثبت إني لغيت التحويل التلقائي.. حطيتها على التربيزة جنب طقم الفاكهة اللي أنا دفع تمنه.
الفلوس دي انتهت.. من النهاردة.
أمي وشها اصفر، وبابا
زعق يا قليلة الأصل!
قلت له أنا كنت أصيلة زيادة عن اللزوم.. وكنت مطيعة زيادة عن اللزوم.. لدرجة إني كنت بدفع تمن كرامة بنتي لناس شايفينها فرع تاني مش أصيل.
حياة جديدة
أول يوم جمعة بعد كده كان غريب.. الساعة 9 الصبح كنت في شغلي، وصباعي اتحرك للموبايل من باب العادة، بس المرة دي حولت المبلغ لحساب توفير باسم ليلى.
2500 جنيه.. فضلوا في بيتي.. للي تعبت فيهم فعلاً.
بحلول الشهر، الإيجار اتدفع في ميعاده.. ليلى جابت جزمتين جداد، واحدة للمدرسة وواحدة بتنور عشان لفت في المحل وهي فرحانة وبتقول دي مش بتوجع رجلي يا ماما. الكلمة دي قطعت قلبي.
في عيد ميلادها السادس، معملتش حفلة وهمية عشان أرضي حد.. عملنا حفلة صغيرة في نادي قريب، مع عمتي كريمة، وحماتي، وصحابها. ليلى كانت لابسة فستان بنفسجي جديد، وجت قعدت في حجري وقالت ماما، هما تيتة وجدو نسيوا تاني؟
بصيت لها وقلت لها بمنتهى الهدوء لا يا حبيبتي.. هما اللي اختاروا.
هزت راسها بفهم أكبر من سنها، وجريت تلعب.. من غير دموع.. ومن غير ما تستنى عند الباب.
أنا دلوقتي في مطبخي، على نفس التربيزة اللي محمود صلحها وبقت ثابتة.. وبفكر إني كنت فاهمة الحب غلط.. الحب مش إنك تدمر نفسك عشان ترضي ناس مش شايفينك.. الحب إنك تبني السد اللي يحمي بنتك من ريح الجحود.
أهلي مكنوش بينسوا عيد ميلاد ليلى.. هما كانوا بيعرفوني مقامها عندهم.. وأنا النهاردة،
عرفتهم مقامهم عندي.
النهاية بقلم انجي الخطيب

 

تم نسخ الرابط