سـر حمـاتي السـابقة كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز


— "بنتي فين دلوقتي؟"
ست ليلى دارت وشها بإيديها:
— "مع مريم."
— "فين بالظبط؟" زعقت فيها.
عم إبراهيم رد:
— "في إسكندرية.. مريم شغالة هناك وبتربيها."
تاني مرة أحس إن الأرض بتسحب من تحت رجلي.
قضيت سنين فاكر إن مريم عاشت حياتها ونسيتني، مكنتش أعرف إنها في مدينة تانية وبتربي بنتنا لوحدها.
سألت بصوت واطي:
— "ليه بتقولوا لي الكلام ده دلوقتي؟"
عم إبراهيم كح كحة قوية، ولما شال المنديل كان فيه دم:
— "لأني عندي سرطان في الرئة في مراحله الأخيرة.. ومش عايز أموت والحقيقة دي كاتمة على نفسي."
ست ليلى كانت بتبكي من غير توقف:
— "بعد ما فرقتكم، كنت فاكرة إني بنقذ مريم. بس كل حاجة اتهدت. الراجل اللي كنت بحلم أجوزه لها ضحك علينا ونصب علينا وخد البيت والفلوس وكل حاجة. والناس اللي كانوا حوالينا اختفوا. مريم بتبعت لنا فلوس كل فترة، بس أنا مكنتش عايزة أشيلها همنا أكتر من كده.. عشان كده نزلت أشحت.. عشان أجيب دواء إبراهيم من غير ما تعرف."
سمعت كل ده وأنا مش عارف أحس بإيه.
كنت فاكر إن شماتتي في الست اللي خربت بيتي وهي مكسورة كده هتر يحني. بس لأ.. بقلم منــي الـسـيد 
محستش بانتصار.
حسيت بتعب رهيب وحزن ملوش آخر.
لأن تمن كبريائها مكنش مجرد فقر..
هي سرقت مني سنين من عمر بنتي.
حرمت بنتي من إنها تكبر

أبوها.متوفرة على روايات و اقتباسات
وحرمتني أنا ومريم من فرصة إننا نكون عيلة كان ممكن تنجح.
قعدت قدامهم وأنا دماغي بتغلي:
— "مريم عارفة إني مكنتش أعرف حاجة؟"
عم إبراهيم هز راسه:
— "في الأول كانت فاكرة إنك عارف ومطنش، وشالت منك جداً. بس بعد كده في خناقة مع أمها عرفت الحقيقة."
غمضت عيني:
— "وليه مدورتش عليا؟"
ست ليلى ردت وسط شهقاتها:
— "كانت خايفة.. خايفة تكون كملت حياتك.. خايفة متكونش عايز البنت.. وخايفة تتوجع أكتر. وأنا كمان طلبت منها تبعد.. كنت أنانية لآخر لحظة."
ضحكت بمرارة:
— "والأنانية دي كانت كفاية؟ إنكم تسكتوا السنين دي كلها؟"
مردتش.. فضلت تبكي وبس.
سألت السؤال اللي كنت مرعوب منه:
— "بنتي اسمها إيه؟"
ست ليلى رفعت وشها الغرقان دموع وقالت:
— "**أمل**."
حسيت بحاجة انكسرت جوايا.
قبل سنين، لما كنا لسه مبسوطين، أنا ومريم كنا بنتكلم عن الأسامي، وقلت لها مرة:
— "لو في يوم جالنا بنت، نفسي نسميها (أمل).. عشان هي اللي بتهون علينا الدنيا مهما ضاقت."
مريم كانت ضحكت يومها وقالت لي "ماشي".
أتاريها لسه فاكرة..
في الليلة دي، أخدت عم إبراهيم المستشفى، ودفعنت مصاريف علاجه، وساعدت ست ليلى في شوية حاجات ناقصة في البيت. كانت بتقول لي وهي بتبكي إنها متستاهلش، وإنها مكسوفة من نفسها.. مكنتش
برد عليها، كان عقلي في مكان تاني خالص.
تاني يوم الصبح، طلبت رقم مريم اللي عم إبراهيم ادهوني.
مكنتش متخيل إنه لسه شغال.
بس اللي رد عليا كان صوت طفلة رقيق:
— "ألو؟"
حبست نفسي بالعافية:
— "ماما موجودة يا حبيبتي؟"
— "إنت مين؟" سألتني ببراءة.
معرفتش أرد..
أنا مين بالنسبة لها؟
واحد غريب؟
ولا أبوها اللي اتسرق منه حقه من البداية؟
قبل ما أنطق، سمعت صوت مريم من بعيد:
— "يا أمل، بتكلمي مين؟"
وبعدين خدت السماعة:
— "ألو؟"
ضغطت على الموبايل جامد:
— "مريم.. أنا أحمد."
سكوت..
سكوت طويل وتقيل جداً.
— "أحمد؟" همست في الآخر.
— "أنا عرفت كل حاجة."
مسمعتش منها لوم.. سمعت بس صوت أنفاسها وهي بتعيط. وبعدين سألتني بصوت واطي:
— "إنت بتكرهني؟"
غمضت عيني:
— "أنا غضبان.. بس مش منك إنتي."
قعدنا نتكلم أكتر من ساعة. حكت لي إنها لما سابت القاهرة كانت ناوية تقولي لما تولد، بس الوجع والخوف واللخبطة والشغل والمسافة خلوها تأجل الخطوة دي يوم ورا يوم.. حكت لي إنها ياما كتبت رسايل ومسحتها، وكانت بتتممنى أكون معاهم.
في الآخر سألتها:
— "ممكن أشوفها؟"
مريم سكتت ثواني:
— "هي دايماً بتسألني بابا فين.. أنا عمري ما قلت لها إنك ميت، ولا إنك سبتنا. كنت بقول لها إنك مسافر بعيد.. لو لسه عايز.. تعال."
رديت من غير تردد:
— "
أنا جاي."
بعد أسبوعين، كنت في إسكندرية.
لما وصلت، لقيت مريم مستنياني ومعاها بنوتة صغيرة لابسة فستان أصفر، وماسكة في إيدها. البنت رفعت راسها وبصت لي بعينين واسعة..
كانت عينيا أنا.
اتسمرت مكاني.
مريم قربت براحة:
— "أمل.. قولي لعمو أهلاً."
البنت فضلت تبص لي في صمت، وبعدين سألتني ببراءة هزت كياني:
— "إنت بابا؟"
حسيت بصدري بيتحطم..
نزلت لمستواها على ركبي، وعيني مليانة دموع:
— "أيوة يا قلب بابا.. أنا."
 وشبكت إيديها حوالين رقبتي بمنتهى الثقة وكأنها عارفاني من زمان، وهمست:
— "أنا كنت عارفة إنك هتيجي في يوم من الأيام."
 كأني خايف أكسر حاجة رقيقة وغالية أوي.
في اللحظة دي، فهمت إن السر اللي هز كياني مكنش بس الكدبة..
كان إني اكتشفت إن رغم كل السنين اللي ضاعت، الحياة لسه شايلا لي فرصة تانية.متوفرة على روايات و اقتباسات
مع الوقت، أنا ومريم بدأنا نداوي جروحنا، خطوة بخطوة. عم إبراهيم اتوفى بعد فترة قصيرة، بس لحق يشوفنا وإحنا مع البنت. أما ست ليلى، فالندم كان بياكل فيها، بس اللي سامحها كان حد غير متوقع.. مش أنا ولا مريم، كانت "أمل".قالت لها:
— "متعيطيش يا تيتة.. إحنا خلاص بقينا مع بعض."
والجملة دي هي اللي كسرتنا كلنا من جوه.
لأن أحياناً، أصعب وجع مش إنك تكتشف خيانة..
الأصعب هو
إنك تكتشف إن رغم كل الوجع، لسه فيه حب كفاية يبني بيت من جديد.

 

النهاية بقلم منــي الـسـيد 

تم نسخ الرابط