رواية كاملة

لمحة نيوز


كروت بنك اتجمدت. طارق جاب لك تليفون جديد عشان تكلميه مباشرة. المقاول جه صلح الشباك، والسخان، وسقف الأوضة اللي كنتِ مخبية الحتة اللي بتخر فيه ب جردل وإنكار.
المنطقة كلها عرفت طبعاً.. الحارة مبيستخبى فيها حاجة. العربية السوداء بتيجي تلات مرات في الأسبوع. جيران يسألوكي لو كسبتِ اليناصيب، وتانية يسألوا لو ابنك الغني افتكر أخيراً إنه اتربى هنا. ستات الجامع مبقوش يجيبوا أكل كتير لأن الثلاجة بقى فيها خير والفاكهة محطوطة في طبق على التربيزة.
إنتي محكيتيش كتير.. مش عشان مكسوفة، لا.. عشان الوجع لما بيتحكي بيتحول ل فرجة للناس، وإنتي مش عاوزه كدة. خليهم يخمنوا.. الحقيقة ملكك لوحدك.
شيرين من ناحيتها بدأت حرب الستات الشيك.. عياط قدام الصحاب.. إن طارق مابقاش متزن.. إنك مسيطرة عليه.. إن حماتي الكبيرة خرفت وقلبت سوء تفاهم لمأساة عشان وحيدة. كلام يضحك بس سمّ بجد. بس لما البنك كشف الحسابات التانية، والمشتريات والمصايف اللي اتصرفت من فلوس الرعاية.. مابقاش فيه حد بيدافع عنها.
طارق بقى بيكلمك كل يوم الساعة 7 ونص بليل. ساعات المكالمة بتبقى قصيرة، 10 دقايق، بس المكالمة بقت عادة حقيقية. في الأول الكلام كان تقيل.. بيسألك أكلتِ؟ ركبك عامله إيه؟ بيحكي لك عن العيال ومين فيهم رافض يلبس الشرابات اللي زي بعضها. إنتي بتسأليه بتنام كويس؟ بيكدب عليكي.. بتسيبيه يكدب، ساعات الحقيقة محتاجة وقت عشان تتقال بنضافة.
في ليلة من ليالي يناير، قال لك أنا مش عارف إزاي بعدت عن هنا كدة. فهمتِ قصده من غير شرح.. بعد عن الأصل، عن البساطة، عن إنه يشوف بجد بدل ما يفترض. بعد عن الحياة اللي الجوع فيها بيبان لأن الكل بياكل من طبق واحد. قلتِ له الجملة اللي تلخص كل حاجة شوية بشوية يا ابني.. دي الطريقة اللي الناس بتفقد فيها روحها.. مبيحصلش مرة واحدة.
سكت كتير.. لدرجة إنك افتكرتِ الخط قطع.
طارق بص لي وسأل بوجع يعني أنا ضيعت روحي يا أمي؟ بصيت حوليا في المطبخ.. الحيطان متبيّضة ونضيفة، الدفاية الجديدة بتزن بهدوء في الركن، مفرش التربيزة القديم لسه موجود لأني بحبه، بس المرة دي مفروش على تربيزة مستوية بعد ما النجار صلح خشبها. في الصالة، العيال بيضحكوا وصوتهم مالي البيت.
قلت له بهدوء لأ يا ابني.. إنت بس أجرت روحك ل الراحة شوية، ونسيت إن الراحة بفلوس بس السكينة بالأصل. ضحك ضحكة فيها تعب وامتنان، وسمعت فيها صوت طارق الصغير اللي كان بيجري ورايا زمان.
على الربيع، كان الطلاق بقى رسمي، وشيرين نقلت لشقة مودرن في التجمع وبدأت حياتها من جديد بطريقتها.. مكياج مثالي، كلام موزون، ومحاولات دايمة لتبديل السرقة بمصطلح اختلاف أولويات. بس المحكمة مكنتش شايفة ده، ولا كشوف الحسابات. واتحكم عليها ترد اللي تقدر عليه، رغم إن جزء كبير من الفلوس كان طار في الفساتين والمصايف والمنظرة الكدابة اللي كانت أهم عندها من شتا أم جوزها.
طارق فتح لي حساب جديد وحط فيه كل الفلوس اللي رجعت. أخدته معايا البنك، وخليته يقعد جنبي والمدير بيشرح لي كل ورقة وكل رقم سري. لما الموظفة الصغيرة بدأت توجه الكلام لطارق بحكم العادة، خبطت على

المكتب وقلت لها يا بنتي، الفلوس دي بتاعتي أنا.. بصي لي وأنا بكلمك. طارق ابتسم وهو بيشرب قهوته، وعرف إن الدرس أخيراً جاب نتيجة بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الأحفاد بدأوا يجوا لوحدهم من غير أمهم.. وده غير كل حاجة. إبراهيم اتعلم يلعب كوتشينة مع الشيخ عبد الحميد، وبقى يغش بمنتهى البجاحة ويضحك. ياسين الصغير قرر إن قِدرة الفول بتاعتي بتعمل أحسن فول في مصر، وبقى يعلن ده كأنه قاضي بيصدر حكم. بقوا يساعدوني في البيت، ويسألوا عن جدهم الله يرحمه.
وفي يوم مطير، لقوا علبة سمنة قديمة فيها صور زمان. المطبخ اتقلب متحف لتاريخ أبوهم.
بابا كان فقير؟ إبراهيم سأل بصدمة حقيقية وهو شايف صورة طارق وعنده 9 سنين، هدومه قديمة بس ضحكته مالية وشه قدام تورته معمولة في البيت. طارق كان قاعد على الأرض وساند ضهره على الكنبة، رد قبل ما أتكلم فقير جداً يا إبراهيم.
ياسين بص في صورة تانية وسأل طيب ليه ماما كانت دايماً بتمثل إن الفقراء ناس مش نضاف؟ السؤال نزل كأنه حجر في ترعة هادية. طارق مكدبش ولا زوق الكلام، قال لهم بصدق عشان فيه ناس بيخافوا يبقوا زي الحاجة اللي بيحكموا عليها.. وساعات لما الناس بيبقى معاها فلوس، بيستخدموها غلط عشان يداروا خوفهم. العيال هزوا راسهم، وقبلوا الحقيقة بحتت صغيرة لحد ما يكبروا ويفهموها كلها.
في يوم سبت من شهر مايو، طارق جه لوحده. لابس جينز وقميص عادي، وشايل شنط الخضار والفاكهة في إيده، وباين عليه إنه بدأ يسيب المنظرة بعيد وهو جاي. عملت القهوة، وقعدنا نفصص بسلة سوا زي ما كنا بنفصص الفول زمان. قال لي فجأة يا أمي.. أنا قررت أسيب الشركة الكبيرة.
ده فاجئني أكتر من أي حاجة تانية.
ليه يا ابني؟ بص للبسلة في إيده وقال لأني قضيت سنين بعمل فلوس وسط ناس بيتكلموا عن قيم العيلة وهما سايبين أمهاتهم للمساعدين والسكرتارية. بعد اللي حصل هنا، بقيت بشوف حاجات كنت بسميها عادي. أنا مش عاوزه عيالي يكبروا فاكرين إن الراجل يبقى ناجح لو اشترى 10 بيوت وهو مش عارف أمه بردانة ولا لأ.
المطبخ سكت.. وقلت له وهتعمل إيه؟ ابتسم جالي عرض من شركة أصغر في المنصورة. فلوس أقل، بس وقت أكتر.. وهنقل السكن هناك، هبقى قريب منك ومن العيال. مردتش عليه فوراً لأن عيني دمعت.. والحياة علمتني إن دموع الفرح مش ضعف. هزيت راسي وقلت دي اللي تتسمى حياة يا ابني.
العيد اللي بعده كان مختلف.. مش مثالي، لأن الحياة مش فيلم سينما، والوجع مش بيتمسح بكلمتين. لسه فيه قضايا، ولسه فيه أوقات طارق بيبص لي ب ذنب بيوجعني. ولسه فيه أيام ركبي بتوجعني وبقول يا ريت أبوه كان عايش يشوف ابنه وهو بيرجع لأصله.
لكن.. الشبابيك مابقتش تزيق بالليل من البرد. المخزن مليان. الدفاية جنمب السرير. الحساب فيه فلوس بتدخل باسمي وبمعرفتي. إبراهيم وياسين زينوا الشجرة الكبيرة ومنوروها. الشيخ عبد الحميد جه اتعشى معانا وجاب الكحك تاني، بس المرة دي ك تحلية مش ك نجدة.
ولما طارق رفع غطا حلة الفول ، ابتسم بطريقة
تانية خالص.
إنتي اللي عملتيه؟
أمال مين يعني؟
وبالسجق كمان؟
جرا إيه يا ابني.. ما أنا بقى عندي خيارات دلوقتي! العيال هيصوا كأنهم بياكلوا
ديك رومي.. والحقيقة إن طعم الرضا أحلى بكتير.
شيرين مكنتش موجودة.. الغياب ده وجعنا عشان العيال، بس الغياب ساعات بيبقى أنضف من السم اللي بيتحط على التربية. وإحنا قاعدين بنشرب القهوة، طارق مسك إيدي وقال أنا لسه مش قادر أسامح نفسي إني مكنتش عارف.
بصيت له كتير.. برا، الهوا كان بيخبط في الشبابيك المتصلحة.. وجوا، الدفا كان حقيقي. الدفا مش ديكور، الدفا كرامة وستر. قلت له مش لازم تقضي بقيت عمرك بتعاقب نفسك.. اقضيه وإنت واخد بالك.
هز راسه كأنه بيجمع دروس مش أعذار، وقال أنا كنت هخسرك وأنا فاكر إني برعاكي. ضغطت على إيده لأ يا حبيبي.. إنت كنت هتخسر نفسك.. والحمد لله إنك رجعت لها من باب مطبخي.
عرفت وقتها إن أسوأ حاجة شيرين سرقتها مكنتش الفلوس.. كانت الوهم إن الحب اللي بيتبعت من بعيد بيوصل لوحده. الحب مبيوصلش لوحده.. لازم حد يشيله بإيده ويوصله. القصة مكنتش عن طبق فول ولا عن 100 ألف جنيه.. القصة كانت عن اللحظة اللي الابن بص فيها لتربيزة أمه، وحيطانها، وشتاها.. وشاف الحقيقة.
كل حاجة اتغيرت في اللحظة دي.. مش عشان بقى غني.. عشان لأول مرة من سنين.. بقى موجود.
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت
ابنها رفع غطا حلة الفول وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم ال 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر؟ في اللحظة دي، فيه حاجة جوا الحاجة نادية اتهدت تماماً. لأنها في الثانية دي، استوعبت إن الفقر اللي كانت عايشة فيه السنة اللي فاتت كان غدر. والغدر ده كان واقف قدامها في المطبخ، على بعد خطوتين من البوتاجاز كان صبّاحية يوم العيد في حارة من حواري طنطا، والبرد كان بيدخل من شقوق الشباك الخشب كأن البيت مبني من الذكريات مش من الطوب. الحاجة نادية كانت صاحية من قبل الفجر كالعادة، ركبها تعباها من الروماتيزم، وبالها مشغول بحاجة واحدة بس ابنها طارق جاي يزورها كنست السلم.. نفضت التراب من الأركان.. مسحت مفرش الطبلية البلاستيك اللي مرسوم عليه ورد ودبل لونه من كتر الغسيل. نورت اللمبة السهاري الصغيرة اللي بقالها سنين عندها، مش فرحة بالعيد، بس عِند في الحزن. مكنش فيه لا ديك رومي.. ولا لحمة.. ولا حتى كحك وبسكويت طازه من الفرن. الحاجة الوحيدة اللي قدرت تحطها على النار هي شوية الفول اللي الجمعية الشرعية إدتهملها ليلة العيد، مع كيس رز صغير، وحتة جبنة، وباكو بسكويت شاي شالته للتحلية. الفول كان بيغلي ببطء، مالي المطبخ بريحة الرضا اللي تشبّعك وفي نفس الوقت تكسر قلبك نادية لبست عبايتها الكحلي، العباية اللي شكلها لسه مستور
لو محدش دقق في الأطراف الدايبة. سرحت شعرها بمية، عدلت صورة جوزها الله يرحمه على الحيطة، وحطت جنبه أحدث صورة لابنها وعيلته. طارق، بابتسامة خفيفة، ولابس بدلة غالية وساعة بتلمع. شيرين، مراته، رفيعة ومرسومة، بملامح تخليكي تحسي إنها قرفانة حتى وهي بتتصور. والحفيدين، لبسهم شيك لدرجة إنهم باينين كأنهم طالعين من إعلان تليفزيون عايشين في الشيخ زايد، في فيلا من اللي شبابيكها إزاز واصل للأرض، وأرضياتها مفيش فيها ذرة تراب، وسفرتها تشيل 12 فرد. في حين إن نادية قضت آخر 9 شهور
وهي بتحشر قماش قديم في حلق الشباك عشان البرد مايقسمش ضهرها وهي نايمة. مكانتش بتشتكي. أو على الأقل، ده اللي كانت بتقوله لنفسها. كانت بتقول إن الضنا ليه حياته.. والأحفاد بيكبروا.. والمدن الكبيرة بتسرق الوقت. والأم اللي عندها أصل مابتشحتش الحنية ولا تطلب المساعدة كأنها حالة إنسانية. كررت الكلام ده لنفسها لدرجة إنها صدقته الأسبوع اللي فات، طارق كلمها زي عادتهبسرعة وهو مستعجل. قال لها إن عندهم عزومة عمل مهمة ليلة العيد وميقدرش يتأخر. بس وعدها إنه هيجيلها بدري يوم العيد الصبح.. هيقضي اليوم معاها. نادية مسكت في الوعد ده كأنها ماسكة في طرف توب بينقذها من الغرق. مسكت فيه عشان ماتفكرش إنها أكلت فتة فول لوحدها ليلة العيد والبيوت التانية كانت مليانة ضحك وعزومات. العربية السوداء الفخمة وقفت قدام البيت الساعة 11 الصبح. ضخمة.. بتلمع.. شكلها غريب جداً في الحارة اللي الستات فيها لسه بيكنسوا قدام بيوتهم بمقشة جريد نادية جريت على الباب وهي لسه لابسة المريلة. أول ما شافت طارق نازلطويل، شيك، ريحة برفانه سبقت خطواتهقلب الأم عمل اللي دايما بيعمله، مهما كان مهجور.. اتفتح على الآخر. يا أمي! نادى عليها وحضنها. الحضن ده كان هيخليها تعيط. وراه، العيال جريوا عليها وحضنوا رجلها، وطلعت شيرين في الآخر، لابسة نظارة شمس رغم إن الجو غيم، وجزمة مفيش عليها عفرة تراب، وشنطة إيد تمنها ممكن يشتري عفش بيت نادية كله. إزيك يا طنط، شيرين قالتها بابتسامة صفراء، ومالت براسها كأنها بتبوس الهوا بعيد عن وش نادية دخلوا البيت. ومع دخولهم، دخل الكسوف. البيت كان تلاجة. الدهان مقشر. الكنبة مكسورة من جنب. والبيت كله كان باين عليه الفقر. العيال قعدوا يتفرجوا باستغراب، وشيرين كانت بتبص للأوضة بنظرات فحصمش بتشوف، دي كانت بتقيّم. نادية خدتهم للمطبخ. المطبخ أدفا، كدبت عليهم. طارق قعد على الكرسي الخشب اللي والده كان بيقعد يقشر عليه برتقال زمان. شيرين ملقلعتش البالطو بتاعها حتى. فضلت واقفة بتبص في موبايلها، وصوابعها مليانة خواتم. نادية عرضت عليهم قهوة بصوت فجأة بقى واطي وضعيف في بيتها. صبي لي يا أمي، طارق قالها. الريحة حلوة أوي.. عاملة لنا إيه؟كانت لسه هترد. بس هو قام وراح للبوتاجاز. رفع غطاء الحلة وبص للي جواها. في الأول ابتسم، كأنه لقى حاجة مكنش متوقعها. بعدين الابتسامة اتغيرت. بقت مرتبكة.. مشدودة.. وبعدين قال الجملة اللي شقلبت حياة أمه. فول؟ سأل باستنكار. بعدين لف وبص لها. يا أمي.. في البرد اللي في بيتك ده، إنتي بجد قادرة تعيشي بال 100 ألف جنيه اللي شيرين بتبعتهم لك كل شهر؟ ده المفروض يعيشوكي ملكة، يغطوا أكلك، ودفاية، وحبذا لو جبتي واحدة تساعدك في البيت كمان!نادية حست بوش في ودنها غطى على صوت غليان الفول. عينيها غيمت. المعلقة الخشب وقعت من إيدها على التربيزة بصوت قوي. طارق كان لسه باصص لها، مش فاهم إنه لسه كاشف حاجة بشعة. شيرين رفعت عينيها ببطء من الموبايل. ملامحها اتغيرت حاجة بسيطة.. بس كانت كفاية. كفاية عشان نادية تفهم. فلوس إيه يا ابني؟ نادية سألت، والكلمة طلعت بالعافية...لايك وكومنت
ليصلك باقي القصه المشوقة

 

تم نسخ الرابط