سـر البيت المهجـور بقلم منــال عـلـي
إن التحقيق اتقفل لعدم كفاية الأدلة.
غمضت عينيها وتخيلت أنتينور وهو بيقص الخبر ده ويشيله وهو عارف إن العالم هينسى.. تخيلت عيال الراجل اللي اختفى وهما عايشين بوجع الكذبة الرسمية زي ما هي عايشة بوجع غياب جابر.
فتحت عينيها وعرفت إنها مش شايلة فلوس.. دي شايلة حقوق ناس ماتت ومحدش جبلهم حقهم.
بطنها اتشنجت والواد ركل ركلة قوية كأنه بيعترض. همست له أنا عارفة ولمت ورقها وخرجت والضباب اللي في دماغها بدأ يتحول لقرار.
وهي راجعة للموقف شافت عربية نص نقل سودة مركونة في الميدان. كان واقف جنبها راجلين بيشربوا سجاير وعينيهم بتمسح الشارع ببرود يخوف. واحد منهم هز راسه وهو بيبص لها وهي معدية متوفره على روايات واقتباسات
حركة بسيطة.. متمسكش عليها غلطة. بس خلت دمها يهرب من عروقها.
مجريتش.. الجري معناه إنك خايفة ومعاك حاجة. كملت مشي بظهر مفرود وإيد على بطنها والرسالة في صدرها بتغلي.
لما وصلت البيت كانت السما بدأت تسود. البيت كان هادي هدوء الوحش اللي نايم.
وقفت قدام الباب.. وتنحت.
فيه طين على العتبة مكنش موجود وهي نازلة. أثر جزمة حد كان داخل. كتمت نفسها وبصت على سلك الرباط.
السلك مكنش مقطوع.. كان متني.
كأن حد جرب يفتحه وبعدين قرر إن الصبر أحسن من العافية.. وإن المراقبة أحسن من الهجوم.
زورها جف. دخلت بالراحة قلبها بيدق لدرجة الوجع. فتشت الأوض واحدة واحدة.
كرسي متحرك ملي.. ستارة مرسومة غلط.. وريحة دخان سجاير خفيف في الأوضة الجوانية.
جريت على اللوح المخلوف في الأرض..
لسه مكانه.
بس العفرة اللي حواليه ممسوحة.. كأن فيه صوابع لمست الحرف وجربت ترفع بس ملحقتش أو خافت من الحفر دلوقتي.
قعدت على الأرض وسندت ضهرها وأجبرت نفسها تتنفس.
الخوف صوته عالي.. والخوف بيخلي الواحد يغلط.
وهي دلوقتي محتاجة هدوء.. محتاجة خطة خطة تكون أقوى من الجبل.. وأقوى من الرجالة اللي مستنيين في الضلمة.
أمل مبقتش لوحدها.. أمل بقى معاها سر يحيي بلد.. أو يموتها
أمل عملت أكتر حاجة عملية وجدية في الدنيا قعدت تعمل حسبة.
قررت إنها مش هتسيب كل حاجة في البيت.. البيت سر وكمان فخ. ولو فيه حد بيراقبها مش هتعرف تواجه الجبل وهي حامل ومعاها أمل ضعيف.
بدأت تنقل القطع..
في ليلة القمر فيها رفيع زي السكينة لفت شوية فلوس وصور في بلاستيك ودفنتهم بعيد تحت شجرة تين قديمة ورا البيت. رسمت علامة في دماغها بدقة تلات خطوات من الصندوق.. حجرين شبه السنان.. والفرع اللي بيشاور زي الصباع.
الرسائل فضلت معاها في صدرها.. لو اضطرت تهرب الحقيقة لازم تهرب معاها مش تفضل تحت الخشب.
وعملت حاجة عمرها ما تخيلتها..
طلعت الطبنجة من الصندوق.
كانت أثقل مما شافت وزنها كله في معدنها البارد. متعرفش هي شغالة ولا لأ ولا تعرف لو تقدر تضغط على الزناد.. بس عرفت حاجة واحدة
حاتم مخباها عشان يتصور جنبه.
لفتها في قماش وحطتها في رف عالي في الدولاب بعيد عن عينيها بس قريبة من إيدها.. لو الدنيا قررت تظهر وجهها الحقيقي.
تاني يوم الصبح نزلت للبلد تاني. بس ماراحتش للمحامي.. راحت الجامع الكبير وقت الصلاة.. الكنايس والجوامع في الأرياف هي الأماكن اللي الناس بتتكلم فيها لما مبيعرفوش يثقوا في مين. قعدت في ركن بعيد وخلت هدوء المكان يطبطب على كتافها.
ست كبيرة لاحظتها.. شعرها أبيض عينيها حادة بس مش قاسية. قربت منها بالراحة كأنها خايفة أمل تطير من قدامها.
إنتي اللي سكنتي في بيت الجبل المهجور سألتها الست.
زور أمل ضاق.. مكنتش حابة إن خبرها ينتشر بسرعة. هزت راسها بحذر.
الست قعدت جنبها من غير ما تستأذن وقالت الناس بيقولوا عليكي يا يائسة يا مجنونة. قالتها من غير حكم مجرد خبر. وبعدين بصت لبطن أمل وملامحها لانت بطريقة خلت قلب أمل يوجعها.
أنا الست سليمة قالت الست. بجيب لقمة للناس اللي مبيحبوش يطلبوا.
أمل ضحكت بمرارة لأن ده حالها بالظبط جعانة مساعدة بس كرامتها غالية عليها. قالتلها اسمها.
سليمة راقبتها لحظة وقالت بوشوشة البيت ده له تاريخ يا بنتي.
نفس الكلمة تاني.. الكل بيقولها.. كأن الماضي ريحة مابتتغسلش.
تاريخ إيه يا خالة سليمة
سليمة مردتش علطول
جسم أمل قشعر.
حكت لها عن عربيات كانت بتطلع الجبل من سنين طويلة عن غرباء بيشتروا ذمم الناس في البلد عن منجم الكل يعرفه والكل ساكت عنه. حكت لها عن عيلة كبيرة ومهمة عيلة اسمها موجود في السياسة والعمل الجمعياتي.. نفس الاسم اللي أمل شافته مختوم على الورق اللي ورا الحيطة.
سليمة قربت منها وهدست لو لقيتي حاجة هناك.. إياكي تنطقي بكلمة.. خصوصا ليهم.
إيد أمل بردت وليه بتقوليلي الكلام ده
بصت لها سليمة وفي عينيها حزن وغل قديم كأنها شايلة جمرة نار زهقت منها
عشان أخويا هو اللي اختفى هناك.. وعشان وشك بيقول إنك عرفتي.
أمل بلعت ريقها وشي بيقول إيه
بيقول إنك لسه عارفة دلوقتي إن الجبل ده ممكن يأذي بني آدمين.. مش بس الشجر.
أمل كانت عايزة تنطق بس صوتها محبوس. افتكرت الجرنان الاسم والقضية اللي اتقفلت.
صوت سليمة بقى أحن دلوقتي لو لقيتي دليل.. ممكن الحقيقة تبان والناس ترتاح.. بس ممكن كمان تصحي الكدابين من نومهم وساعتها مش هيرحموا.
أمل فضلت قاعدة بتنهج بصعوبة والواد ركل في بطنها كأنه بيفكرها إنها مش لوحدها.. وإنها مسئولة عن رقبة تانية غير
رقبتها.
القرار اللي حذرها منه حاتم وقف في زورها زي الصبر
هتستخدم الكنز عشان تنقذ ابنها وتعيش في هدوء
ولا هتخاطر بكل حاجة عشان تجيب حق ناس مش تعرفهم
رجعت البيت ومعاها حلة شوربة سليمة صممت تديها لها. إيدها كانت بتترعش وهي بتحط الحلة على الطبلية. طلعت رسالة حاتم الأولى وقرأتها تاني بتركيز.. لحد ما لفت نظرها حاجة كانت فاتتها.
حاتم كتب اسم في آخر الورقة بعيد عن إمضاءه.. اسم شخص تاني.
لو فشلت.. دوري على الشيخ منصور.
شيخ جامع.. أو حد واصل.
بطنها لوتها.. الإشارة واضحة. الماضي بيخبط على شباكها لحد ما تفتح وتشوف.
استنت ليوم الجمعة وقت الصلاة الكبيرة عشان تروح وتشوفه من غير ما حد يسأل رايحة فين. قعدت برا الجامع تستناه وهي بتراقب الهدوء اللي في وشه.. وجه راجل
لما الصلاة خلصت والناس بدأت تمشي قربت منه وهي حاسة إنها بتقرب من نار.. يا هتدفيها.. يا تحرقها.
أمل وقفت قدام الشيخ منصور بعد ما الناس مشيت كانت بتفرك في إيدها والورقة المطوية في جيبها كأنها جمرة. بص لها الشيخ بعين هادية وقالها خير يا بنتي محتاجة مساعدة في حاجة
أمل بصت حواليها وبعدين همست بصوت مخنوق أنا الساكنة الجديدة في بيت الجبل.. ومعايا أمانة من واحد اسمه حاتم بقلم منال علي الشيخ أول ما سمع الاسم ملامحه اتغيرت.. سكت لثواني كأن العمر رجع بيه خمسين سنة ورا وبعدين شاور لها تدخل الميضة الجوانية بعيد عن العين. هناك حكت له كل حاجة.. عن الصندوق والفلوس والورق اللي بيفضح العيلة الكبيرة ومنجم الدهب اللي اندفن فوقه جثث غلابة.
الشيخ منصور اتنهد تنهيدة شقت صدره وقالها يا بنتي حاتم ده كان راجل صالح وكان عارف إن الحق مابيموتش بس كان مستني الإيد اللي تقدر تشيله.. وانتي يا أمل رغم ضعفك ربنا اختارك تكوني الإيد دي.
القرار الصعب
الشيخ منصور ساعدها تروح لجهة بعيدة عن نفوذ العيلة دي.. ناس مبيخافوش. أمل قدمت الورق والخرائط ومسكت في حق أخو الست سليمة والناس اللي دمهم راح هدر.
بعد شهور من التحقيقات والقلب والأعصاب المحروقة الحقيقة ظهرت.. العيلة الكبيرة وقعت والمنجم اتفتح للناس رسمي وأهل القرية اللي ضاع لهم حق خدوه.
أما أمل.. فهي مخدتش من كنز الصندوق غير اللي يسترها هي وابنها بس وبقية الفلوس وزعتها بعدل على بيوت الغلابة في الجبل كأنها بتغسل أرض البيت من وجع السنين.
في صباح يوم جديد أمل قعدت على عتبة بيتها اللي اتصلح وبقى منور وكانت شايلة ابنها جابر الصغير على رجلها. بصت للجبل اللي كان في يوم من الأيام مخيف ليها ولقيته دلوقتي هادي ومسالم.. كأنه هو كمان ارتاح بعد ما السر اللي واجع بطنه طلع للنور.
أمل ملقيتش مجرد دهب.. هي لقيت نفسها اللي كانت ضايعة وعرفت إن الستر مش بس في القرش الستر في إن الواحد ينام وظلمه مش واجع حد.
وهنا خلصت حكاية
حكاية الست اللي اشترت بيت بيقع
وطلعت منه بدنيا تانية
تمت