شر حماتي
كانت بداية مرحلة مختلفة لكل واحد فيهم، مرحلة فيها حسابات جديدة، وموازين اتعدلت غصب عن الكل.
لارا رجعت بيتها في نفس الليلة، بس مش بنفس الإحساس. المكان اللي كانت ماشية فيه على أطراف صوابعها بقى دلوقتي هي اللي داخلاه برأس مرفوعة. الخدم نفسهم كانوا بيبصولها بنظرة احترام وخجل في نفس الوقت، كأنهم بيعتذروا من غير كلام عن كل مرة شافوها بتتهان وسكتوا.
ياسين كان واقف مستنيها في الصالون، قاعد على طرف الكنبة، وإيده متشابكة ببعضها بتوتر. أول ما شافها، قام بسرعة، وقرب منها بخطوات مترددة، وكأنه مش عارف يبدأ منين.
قال بصوت واطي:
“أنا… مش عارف أقول إيه.”
لارا بصت له بهدوء، مفيش عصبية، ولا حتى دموع… وده كان أصعب عليه من أي رد فعل تاني.
قالت:
“قول الحقيقة بس يا ياسين… إنت كنت شايف إيه؟”
سكت شوية، وبعدين رد:
“كنت شايف إن أمي صعبة شوية… بس عمري ما تخيلت إنها توصل لكده… ولا تخيلت إنك كنتي ساكتة على كل ده.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها وجع:
“وأنا كنت مستنية إمتى تشوف… مش تسمع.”
الكلمة خبطت فيه جامد. لأنه لأول مرة يحس إنه كان موجود… بس مش شايف.
قرب
“أنا غلطت… ومش هبرر. بس لو في فرصة أصلح… أنا عايزها.”
لارا بصت له نظرة طويلة، كأنها بتقيس كل كلمة قالها، وبعدين قالت:
“الفرص مش بتتقال يا ياسين… بتتثبت.”
وسابته وطلعت أوضتها.
الليلة دي كانت فاصلة… مش بينهم كأزواج بس، لكن بين الماضي كله والمستقبل اللي لسه مش واضح.
في الأيام اللي بعدها، لارا بدأت تتحرك في الشركة بسرعة رهيبة. استحواذها على شركة مارجريت ما كانش مجرد إنقاذ… كان إعادة بناء كاملة. غيرت الإدارة، جابت ناس تقيلة في السوق، بدأت تراجع كل العقود القديمة، وفتحت ملفات كانت متقفلة بقالها سنين.
الموظفين كانوا في الأول خايفين… لكن مع الوقت، اكتشفوا إن “لارا رستم” مش بس اسم كبير… دي عقلية نضيفة، بتدي كل واحد حقه، ومبتظلمش حد.
أما مارجريت… فكانت بتعيش أصعب أيام حياتها.
الست اللي كانت بتتحكم في كل حاجة، بقت قاعدة في مكتب صغير، مجرد “اسم شرفي” ملوش سلطة. كل يوم تشوف الموظفين بيسلموا على لارا باحترام، وكل قرار بيتاخد من غير ما حد يرجع لها.
الإهانة اللي عملتها… كانت بترجع لها كل يوم، بس بشكل أهدى… وأقسى.
في يوم،
قالت بصوت واطي:
“أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتدي القيمة… بس واضح إني كنت غلطانة.”
لارا رفعت عينها من الورق، وبصت لها:
“الفلوس بتكبر اللي جواكي… لو جواكي كبير، هتباني أكبر… ولو جواكي صغير، هتفضحي نفسك أسرع.”
مارجريت نزلت بعينيها الأرض:
“أنا أذيتك.”
لارا ردت بهدوء:
“أيوه… بس أنا اللي سمحت بده يكمل.”
الجملة دي كانت صادمة… لأنها لأول مرة لارا تعترف إن صبرها كان اختيار، مش ضعف.
مارجريت قالت:
“ينفع… نبدأ من جديد؟”
لارا سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“مفيش جديد… في نتيجة أفعال بس. لو اتغيرتي فعلاً، الناس كلها هتشوف ده… مش أنا بس.”
وخرجت مارجريت من المكتب وهي حاسة إن الباب اللي اتقفل… مش سهل يتفتح تاني.
على الناحية التانية، ياسين كان بيحاول بكل الطرق يصلح اللي اتكسر. بقى يروح الشركة، يتابع شغله بجد، يقف قدام أمه لما تغلط، والأهم… بقى يسمع لارا.
مش يسمعها عشان يرد… يسمعها عشان يفهم.
وفي مرة، بعد يوم طويل، لارا كانت قاعدة في البلكونة، ساكتة،
دقايق عدت في صمت… وبعدين هي قالت:
“أنا تعبت.”
رد بهدوء:
“عارف.”
بصت له:
“مش من الشغل… من كل حاجة.”
قال:
“طب وأنا؟”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“إنت لسه بتتحدد.”
الكلمة كانت صريحة… بس مش قاسية.
ياسين هز راسه وقال:
“طيب خليني أثبتلك إني أستاهل.”
ولأول مرة… لارا ابتسمت ابتسامة حقيقية، صغيرة… بس فيها أمل.
مرت شهور… والشركة بقت من أقوى الشركات في السوق. اسم لارا بقى بيتقال باحترام في كل حتة، مش بس عشان فلوسها، لكن عشان مواقفها.
مارجريت اتغيرت فعلاً… بقت أهدى، بتتعلم تسمع، بتعتذر لما تغلط، حتى مع الخدم.
ويمكن أول مرة في حياتها… بدأت تبقى إنسانة.
أما العلاقة بين لارا وياسين… فكانت بترجع، بس مش زي الأول. بترجع أقوى… أهدى… مبنية على وضوح مش على وهم.
وفي يوم، ياسين وقف قدامها وقال:
“أنا بحبك… مش عشان أي حاجة غير إنك إنتي.”
لارا بصت له، المرة دي من غير حواجز، وقالت:
“وأنا هصدقك… لما تفضل كده على طول.”
الحكاية ما انتهتش بجملة، ولا بمشهد… لكنها كملت.
لأن اللي اتكسر واتصلح… بيعيش أطول.
ولأن لارا ما كانتش مجرد ست اتظلمت… كانت ست عرفت إمتى تسكت، وإمتى تتكلم… وإمتى ترجع حقها من غير ما تخسر نفسها.