الـصورة المنـسية بقلم منــال عــلي
ضهرها، بتمسح إيدها في حتة قماشة، كأنها كانت عايزة تختفي جوه المطبخ عشان متضايقش حد. لما سمعت الباب، لفت بالراحة.
أحمد بيه شافها.
شاف العلامة اللي في وشها.
شاف السنين اللي مرت عليها.
شاف جسم ست هدها التعب.
وجمد مكانه بقلم منال علي
شفايفه اتفتحت بالعافية.
وعينيه اللي كانت كلها سيطرة وبرود، اتملت بحاجة مكنتش عارف أفهمها في وقتها.
وجع؟... صدمة؟... ولا حب كان مدفون تحت تراب السنين؟
كريمة؟ همس بصوت يدوب مسموع.
حتة القماشة وقعت من إيد أمي.
بصت له كأن الزمن وقف ورجع لورا تلاتين سنة.
أحمد...؟
وفي اللحظة دي، قدام الكل، الكسوف والعار غيروا مكانهم بقلم منال علي
مبقوش عليها هي.
وقعوا كلهم... عليا أنا.
يتبع...
لمدة ثواني، مفيش مخلوق في البيت اتحرك. لا الضيوف، ولا أنا، ولا حتى أمي. أحمد بيه دخل المطبخ بخطوات تقيلة، كأنه بيقرب من جرح قديم خايف يلمسه، وخايف أكتر يكتشف إنه لسه .
أمي فردت ضهرها، ولأول مرة الليلة دي متبانش الست اللي كنت مخبيها.. ملامحها اتغيرت وبقت ست شايلة حكاية أكبر بكتير من جدران المطبخ ده.
كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني قالتها بصوت واطي ومهزوز.
أحمد بيه بلع ريقه بصعوبة قبل ما يرد
أنا دورت عليكي سنين يا كريمة.. سنين بقلم منال علي
أمي غمضت عينيها ثانية واحدة
مكنش المفروض تعمل كده.
لأ، كان لازم أعمل كده.
النبرة اللي قال بيها الجملة غيرت ريحة الهوا في البيت. مكنش صوت المدير العام ولا الراجل اللي بيحرك السوق. ده كان صوت راجل حب بجد، وضاع منه حبه من غير ما يفهم ليه.
أنا كنت واقف مش قادر أشيل عيني من عليهم. حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي، وإن اسمي وحياتي وكل اللي بنيته بينهار. أحمد سألها بوجع مشيتي ليه؟ اختفيتي ليه؟ ليه مردتيش على جواباتي ولا مكالماتي؟.بقلم منال علي
أمي ردت بهدوء حزين يقطع القلب
عشان لو كنت فضلت، كنت ههدلك حياتك.
أحمد هز راسه بعنف مكتومبقلم منال علي
أنتِ كانتي حياتي أصلاً.
الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة. مفيش حد طول عمري شفت بيبص لأمي بالنظرة دي.. نظرة فيها وجع وتقديس في نفس الوقت. الست اللي كنت مكسوف منها وبداريها، واقفة قدام أقوى راجل في مصر وهو بيترعش من مجرد رؤيتها.
فجأة، نظراته اتحولت ليا. مكنتش نظرة عادية، كانت نظرة غريزة.. فضل يدقق في ملامح وشي، في إيدي، في
هو ده..؟ سألها.
أمي مردتش في ساعتها. وفي اللحظة دي بس، فهمت إن الإجابة اللي جاية هتغير قدري للأبد.
ده ابني قالتها أخيراً.
أحمد فضل باصص لي وعيونه بتلمع
ابننا؟بقلم منال علي
أنا النفس انقطع عني. أمي غمضت عينيها كأنها كانت شايلة الحمل ده سنين ومستنية اللحظة دي عشان تنزله.
أيوه قالتها وصوتها اتشرخ ده ابنك.
الدنيا لفت بيا. ساندت بضهرى على حلق الباب عشان مأقعش. كل اللي كنت فاكره حقيقة طلع سراب. المدير اللي بقالي سنين بموت نفسي عشان أعجبه.. الراجل اللي اسمه بيوزن بلد.. الراجل اللي جه يتعشى عندي واتصدم من صورة على الحيطة.. الراجل ده طلع أبويا. مش مجرد أب في البطاقة، لا.. ده أبويا بجد.
أمي بدأت تحكي الحقيقة قدام الكل. حكت عن السيدة زينب، وعن أيام ما كانوا شباب، وعن إزاي أحمد حبها لما كان لسه شاب بيعافر وقاطع علاقته بأهله عشان يثبت نفسه. حكت عن الحادثة اللي سابت العلامة في وشها، وعن ضغط عيلة القلعة عليها، والتهديد اللي جالها من كبراء العيلة لو فضلتي جنبه، هتغرقيه معاكي بقلم منال علي
حكت عن الحمل..
كنت عايز أكرهها عشان خبت عليا العمر ده كله.. كنت عايز أكرهه هو عشان مظهرش من زمان.. بس اللي كنت حاسس بيه كان لغبطة تانية خالص، وجع ملوش اسم، وحياة كاملة بتترتب من جديد جوه قلبي.
أحمد بيه قرب مني بحذر غريب، مكنتش أتوقعه من راجل في قوته وهيبته. محاولش يلمسني ولا يفرض نفسه عليا في ساعتها. فضل باصص لي وكأنه بيقرأ في ملامح وشي السنين اللي اتسرقت منه غصب عنه.
أنا آسف بقلم منال علي
كلمتين بس.. لا فيهم تمثيل ولا دراما زايدة.. بس كانوا محملين بوجع سنين ضاعت في السكوت.
أنا مكنتش عارف أرد بإيه. كان نفسي أقوله إن الوقت فات، وإني مش محتاج لأب دلوقتي بعد ما اتعلمت أعيش من غيره، وإن ظهوره فجأة في مطبخ بيتي مش هيمسح تلاتين سنة من الغياب. بس في نفس الوقت، شفت في عينيه انكسار مكنتش أقدر أتجاهله؛ كان مهدود من جوه زيي بالظبط.
أمي كانت بتبعي في صمت. والضيوف لسه متسمرين في مكانهم، مش عارفين يداروا كسوفهم ولا يداروا فضولهم اللي هياكلهم. وأنا اللي بدأت الليلة دي وأنا مرعوب إن أحمد بيه يشوف العلامة اللي