رزق الصبـر كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز


بإيدها، بخط منظم لدرجة إن المدرسين كانوا بيحلفوا بيه. كانت بتروح تقعد في مكتبة الحي بالساعات عشان تذاكر.
مرة، جنا رجعت بشهادة تقدير في الرياضة، المدرسة كاتبة لها موهبة استثنائية. راحت توريها لأمها وهي بتحلم بحضن، نادية بصت في الورقة ثانية وقالت كويسة يا حبيبتي ورجعت تكمل خياطة. في نفس الأسبوع، إيمان خدت شهادة مشاركة في مسابقة شعر، لبيب بروزها وعلقها في نص الصالة، وعزمهم كلهم على أكلة سمك بره البيت متوفرة علي روايات و اقتباسات 
جنا فضلت تبص للبرواز ده سنين. كل ما تكنس الصالة تشوفه. كان بيفكرها دايما إن مجهودها ملوش تمن في البيت ده.
الخطر مكنش في نقص الفلوس، الخطر كان في تجاهل الوجود. إنك تبقى في أوضة واحدة مع أهلك وتحس إنك شفاف، ملكش وزن. جنا مكنتش بتعمل مشاكل، كانت بتساعد في البيت وبتذاكر وساكتة، وعشان هي بتتحمل، افتكروا إنها مش محتاجة اهتمام.
لما تمت تمنتاشر سنة، بعد ليلة الكسرة ديك، محصلش تراجع.
دخلت أوضتها، طلعت حصالة صفيح كانت مخبياها ورا الهدوم. عدت الفلوس اللي كانت بتحوشها من شغل بسيط بتعمله للجيران ومن وراهم. بدأت تحسب بالورقة والقلم سكن المغتربات، الكتب، المواصلات. لو اشتغلت بالليل وذاكرت بالنهار، الدنيا هتمشي. صعبة؟ آه، بس ممكنة.
يوم

ما قالت لهم إنها ماشية، نادية استغربت بالسرعة دي يا جنا؟
ردت جنا وهي بتبص في عينيها لأول مرة بقوة أنا استنيت كتير يا أمي.
لبيب مرفعش عينه من الجرنال وقال محدش طردك.
جنا بصت له وقالت كلمة وجعتهم كلهم مش لازم حد يطردني عشان أفهم إن مفيش مكان ليا هنا.
لمت شنطتها.. غيارين وكتابين وبطانية ريحتها داوني. إيمان حتى مخرجتش تودعها، كانت مشغولة بتجهز نفسها لخروجة. نادية وصلتها للباب وقالت لها لو الدنيا ضاقت بيكي.. ارجعي.
جنا شالت شنطتها على كتفها وردت
لو الدنيا ضاقت بيا.. هعافر وهفضل هناك متوفرة علي روايات و اقتباسات 
ومشيت. راحت لأوضة صغيرة في حي شعبي بعيد، أوضة فيها سرير واحد ولمبة سهر مرعشة. بس الأوضة دي كانت بالنسبة لها هي قصر الحرية. اشتغلت ويتر في مطعم، بتبدأ شفتها من 6 المغرب لحد نص الليل، ترجع رجليها وارمة وريحة هدومها أكل، بس في قلبها فخر غريب.
وبدأت الرحلة.. الرحلة اللي بدأت ببنت مخفية، وناوية تنتهي بدكتورة، الكل هيتمنى بس يلمح طيفها.
متوفرة علي روايات و اقتباسات 
دخلت جنا طب أسنان ومكنش الموضوع سهل أبدًا. مش عشان هي مش شاطرة، بالعكس، بس الوقت كان دايمًا عدوها الأول. عدت عليها أسابيع كانت بتنام فيها أربع ساعات بس، تاكل طقة واحدة في اليوم،
وتستخسر في نفسها تشتري أي حاجة رفاهية عشان توفر تمن الكتب. كانت بتطبخ شوية رز وشوية عدس بأقل إمكانيات، وتعرف تفرق كويس بين جوع البطن وجوع النفس، وتحسب القرش قبل ما تصرفه عشان إيجار الأوضة ميتأخرش.
في الجامعة، كان زمايلها بيتكلموا عن أهاليهم وكأنهم ضهر طبيعي وموجود بالفطرة بابا حولّي المصاريف، ماما جابتلي أكل، هيجيبولي طقم الأدوات الجديد. جنا كانت بتسمع وتسكت، ومكنتش عايزة تحكي إن فيه ناس بتتولد وفيها سند، وناس تانية بتتعلم إزاي متقعش وهي لوحدها.
وسط كل ده، فيه حاجة جواها كانت بتنور. كانت بتعشق دراستها.. دقة الإيد، العلم اللي ورا كل حركة، وإزاي ممكن بكلمة هادية تخفف وجع مريض. في السنة التانية، عرفت روان، زميلتها اللي كانت زيها، جاية من ظروف صعبة بس عينيها فيها لمعة ذكاء. روان مكنتش بتسأل كتير، كانت بتشوف وتفهم. لما تلاقي جنا جاية وعينيها منفوخة من السهر ومعاها ازازة مية بس، كانت تطلع ساندوتش وتقسمه معاها من غير كلام.
كانوا بيسهروا يذاكروا سوا، ولما جنا كانت بتضعف، كانت روان تقولها
إحنا مدفعناش التمن ده كله عشان نستسلم دلوقتي يا دكتورة.
في السنين دي، تليفونات البيت كانت قليلة أوي. ست نادية كانت بتتصل تسأل أكلتي يا بنتي؟، وعم لبيب كان بيسأل عن الدراسة
كأنه بيطمن على نتيجة ماتش
ولسه مكملة في موضوع السنان ده؟
أيوه يا بابا، ناقص سنتين.
ماشي.. ربنا ييسر لك.
مكنتش بتطلب مليم. مش عشان مش محتاجة، لا، عشان عارفة إن إيمان هي الأولوية. وبالفعل، إيمان كانت دايمًا هي الحدث الأهم. لما نجحت في سنة صعبة، عملوا عزومة. لما بدأت تدريب في شركة، لبيب جاب لها طقم هدوم غالي عشان مظهرها قدام الناس. ولما اتخرجت من تجارة، البيت اتملى كراسي ومعازيم وتورتة وزغاريد.
جنا راحت.. راحت ووقفت في المطبخ، غسلت المواعين، ورصت الأطباق، وسلمت على المعازيم وهي مبتسمة. محدش سألها وصلتي لفين؟. عمتها إلهام قالتلها
إنتِ لسه بتدرسي يا جنا ولا زهقتي؟
لسه بدرس يا عمتي.
يومها رجعت أوضتها المتواضعة في الميكروباص وهدومها ريحتها بصل ومواعين، بس بالها كان في امتحان يوم الاتنين. اتعلمت إنها متقعدش كتير في المكان اللي مش متشافة فيه.
نقطة التحول
في سنة رابعة، بدأت تشتغل مساعدة في عيادة دكتور شاكر، طبيب قديم من بتوع زمان اللي كلمتهم ميزان. شاكر لاحظ إن جنا مش مجرد مساعدة، دي بتشرب الصنعة، بتتعامل مع المرضى برحمة، وبتفهم في الإدارة. في يوم قالها
مين علمك الصبر ده مع المرضى؟
ردت جنا بهدوء
اللي بيعيش عمره خايف يا دكتور، بيعرف يحس بخوف اللي قدامه.
اتخرجت
جنا بعد 6 سنين عفرة. يوم التخرج،
 

تم نسخ الرابط