الكـنز المستخبـي فـي البيـت العيلة كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز


وقف قدام لوحة لـ (محمود سعيد)، وبدأ يقرأ التوقيع، وبعدها بص للوحة (راغب عياد).. شوفت عينيه وهي بتتحول من الذهول للصدمة، ملامحه بدأت تبهت وكأنه شاف شبح. بقلم منــي الـسـيد 
"اللوحات دي.. أصلية؟" سأل والريق ناشف في حلقة. بقلم منــي الـسـيد 
"أيوة.. محمود سعيد، راغب عياد، يوسف كامل.. وغيرهم من العمالقة. قيمتهم التقديرية تعدي الـ 50 مليون جنيه. بعت اتنين بس عشان أفرش القصر ده وأعيش ملكة، والباقي شايلاه للزمن."
إيهاب وشه بقى لونه أبيض زي الورق. بص لي، وبعدين بص للوحات، وبعدين رجع بص لي تاني.. كنت شايفة "العداد" شغال في دماغه، بيحسب الملايين اللي ضاعت من إيده، الملايين اللي سابها لمراته اللي كان فاكر إنه "كسرها".
"خمسين مليون.." كرر الجملة كأنه بيحلم. "ليلى.. أنا.. أنا مكنتش أعرف. لو كنت أعرف.."
"لو كنت تعرف مكنتش وافقت تسيب لي البيت ده، صح؟" كملت أنا الجملة مكانه بابتسامة باردة.
بلع ريقه بصعوبة وقرب خطوة:
"ليلى، اسمعيني.. أنا

كنت غبي، غلطت في حقك.. اللي حصل مع نيرمين كان مجرد طيش، أزمة منتصف العمر يا ستي. أنا اكتشفت إني مقدرش أعيش من غيرك. تعالي نرجع، تعالي نبدأ صفحة جديدة وننسى كل اللي فات.. فاكرة أيامنا الحلوة؟"
بصيت في عينيه القوية.. كان بيقول كلام رومانسي، بس عينيه كانت "مترشقة" في اللوحات اللي ورايا. مكنش بيبص لي أنا، كان بيبص للملايين اللي طارت منه.
"لأ يا إيهاب،" قلتها بمنتهى الثبات. "إحنا مش هنرجع. أنت مش عايزني أنا.. أنت عايز اللوحات دي، وعايز العز ده. أنت بعتني من سنة لما عرفت نيرمين، وبعتني قبلها بسنة لما بدأت تنقل أملاكنا باسم مامتك."
"مش حقيقي!" صرخ بيحاول يدافع عن نفسه. "أنا فعلاً عرفت قيمتك دلوقت.. اديني فرصة واحدة أصلح اللي انكسر!"
"فرصة؟" ضحكت من قلبي. "إيهاب، أنت ضحكت عليا في مكتب المحامي، كنت فرحان وأنت بترميني في (خرابة) وبتقول لي وريني هتصرفي منين بمجرد (فري لانس) بتكتب قصص. كنت مستمتع وأنت سايبني من غير مليم.. ودلوقت، لما عرفت إن الخرابة
دي بقت منجم ذهب، فجأة افتكرت إنك بتحبني؟"
سكت تماماً، وعضلة في وشه بدأت ترعش من الغيظ المكتوم.
"اتفضل اخرج يا إيهاب،" قلتها وأنا بشاور له على الباب. "ومتشوفش وشك هنا تاني."
"هتندمي يا ليلى،" قالها وهو بيجز على سنانه وهو خارج.
"لأ،" ابتسمت بكل ثقة. "مش أنا اللي هاندم." بقلم منـي الـسـيد 
وقفت في البلكونة أراقبه وهو بيركب عربيته وبيمشي، والتراب بيعفر وراه.. رجعت قعدت، صبيت كوباية شاي تانية وكملت قراية روايتي. الشمس كانت بتغيب وبترسم ألوان دهبية وروز في السما.. كنت حاسة براحة نفسية عمري ما دوقتها.متوفرة على روايات و اقتباسات 
وعلى فكرة.. مكنش فارق معايا إيهاب فكر في إيه أو قال إيه. لأني اكتشفت إن السعادة الحقيقية مش في الملايين ولا في اللوحات؛ السعادة في إنك تكون حر، إنك تعيش حياتك بشروطك أنت مش بشروط حد تاني. والفلوس؟ الفلوس مجرد "بونبوني" زيادة طعمه حلو.
بعد شهر، عرفت من معارف مشتركين إن نيرمين سابت إيهاب أول ما عرفت إنه خسر
ثروة كانت قريبة منه.. أتاريها كانت ماشية معاه عشان الفلوس بس. "يُمهل ولا يُهمل"، مش كده؟
فات سنتين.. نشرت 3 روايات، كلهم بقوا "أكثر مبيعاً". بيتي في القناطر بقى مزار للقراء بتوعي، بجمعهم فيه كل شهر في صالون أدبي بنقرأ ونناقش لوحاتي.
واتعرفت على راجل محترم.. "ياسين"، مهندس ديكور ساعدني في آخر لمسات البيت. مش مستعجلين على حاجة، بس اللي أعرفه إنه بيحبني بجد.. بيحب ليلى، مش "ليلى صاحبة الملايين". بيحب عقلي، وكتبي، وروحي.
أما إيهاب؟ آخر مرة شوفته كان من بعيد في معرض الكتاب، كان واقف وسط الزحمة بيبص عليا وأنا بمضي كتبي للناس.. بصل نظرة طويلة، وبعدين لف وضهره ومشي في صمت.
أوقات بفكر فيه، وبقول إزاي الإنسان ممكن يضيع حياته بـ "طمع وغباء".. وإزاي بيت قديم متهالك كان هو "طوق النجاة" اللي رجع لي روحي من تاني.
إيهاب ضحك عليا يوم الطلاق لما ساب لي البيت.. بس أنا اللي ضحكت في الآخر، وضحكتي كانت هي الحقيقية والأنقى.. لأنها كانت ضحكة الحرية.
بقلم
منـي الـسـيد

 

تم نسخ الرابط