الاخـوة الثـلاثة كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

الفصل الأول البيت الذي لم يعد سكنا
كان الفجر يزحف بخجل فوق أسطح البيوت في حي كرموز القديم بالإسكندرية. خيوط الشمس الباهتة كانت تتسلل من شقوق الشيش المكسور في غرفة الإخوة رضوان لتوقظ فارس قبل أن ترن ساعة هاتفه المتهالك. صاحب السبعة عشر عاما لم يعرف طعم النوم الهانئ منذ زمن بعيد.
اعتدل في فراشه بهدوء يراقب إخوته الصغار. ليلى ابنة الأربعة عشر ربيعا كانت نائمة وهي تحتضن كراسة رسمها كأنها طوق نجاة بينما ياسين الصغير عشر سنوات كان منزويا في ركن السرير ملتصقا بالحائط كأنه يحاول أن يختفي من العالم حتى وهو نائم. لاحظ فارس بحرقة آثار دموع جفت على وجنتي أخيه الصغير.
بقلم مني السيد 
كانت ليلة أمس هي الأقسى. والدهم المعلم جابر عاد في حالة من السكر لم يسبق لها مثيل. لم يكتف بالصراخ وتكسير أطباق المطبخ كما اعتاد بل امتدت يده الغليظة إلى الصندوق الخشبي القديم.. الصندوق الذي يحوي الصور الوحيدة الباقية لأمهم زينب التي رحلت قبل عامين بعد صراع مرير مع المرض متوفرة على روايات

و اقتباسات في وقت كانت فيه الأسرة تعجز حتى عن ثمن الروشتة.
أغمض فارس عينيه وهو يسترجع صوت تكسير براويز الصور وبكاء ياسين المرير وهو يرى ذكريات أمه تتناثر شظايا تحت قدمي والده. في تلك اللحظة نجحت ليلة في سحب الصغير إلى الغرفة بينما تصدى فارس لوالده ليتلقى دفعة قوية أطاحت به نحو حافة الخزانة.
تحسس فارس الندبة فوق حاجبه الأيمن كانت لا تزال تؤلمه وتذكره بالهزيمة. همس لنفسه بقرار لا رجعة فيه
لحد هنا وكفاية.. مش هنستنى لما يقتلنا بالبطيء.
بقلم مني السيد 
اتجه إلى الحمام المتهالك وغسل وجهه بماء بارد لعله يطرد الكوابيس. المرآة المشروخة عكست وجها أكبر من عمره بكثير ملامح سمراء لوحتها شمس الوكالة حيث يعمل في تحميل البضائع كل جمعة وعينين تحملان هما ينوء به العصبة من الرجال.
حين عاد للغرفة وجد ليلة مستيقظة تجلس على طرف السرير وتنظر إليه بعينين ثاقبتين تفهمان ما يدور في رأسه قبل أن ينطق.
سألت بصوت خفيض ومرتجف النهاردة يا فارس
أومأ فارس برأسه بمرارة
مبقاش ينفع نقعد هنا
يا ليلة.. مش بعد اللي حصل امبارح.
نظرت ليلة نحو ياسين النائم وقالت بوجل
هنقول له إيه وهنروح فين القطر للقاهرة غالي وعمتك سعاد في شبرا مقطوعة أخبارها عننا من سنة.. تفتكر هتقبلنا
بصيص من الأمل
جلس فارس بجوار أخته ووضع يده على كتفها يطمئنها. كانت ليلة هي عقل الإخوة دائما ما تحسب العواقب وتفكر في الغد.
قال فارس وهو يخرج مفكرة صغيرة من تحت مرتبته
معايا حوالي 7000 جنيه شيلتهم قرش على قرش من شغل الوكالة. هيكفونا تذاكر ومصاريف كام أسبوع لحد ما نلاقي عمتي. أنا معايا آخر عنوان ليها ونمرة تليفونها القديمة أكيد حد هناك هيدلنا عليها.
هزت ليلة رأسها بالموافقة رغم الشكوك التي تملأ قلبها لكنها كانت تثق في أخيها الأكبر كظلها. قامت لتوقظ ياسين برفق الذي انتفض فزعا بمجرد لمس كتفه كعادة من يعيش في بيت يحكمه الخوف.
صباح الخير يا بطل.. همست ليلة وهي تمسح على شعره المشعث. فارس عايز يقول لنا حاجة مهمة.
الفصل الثاني رحلة نحو المجهول
كان قطار الإسكندريةالقاهرة ينهب الأرض نهبا وفارس يجلس
بجوار النافذة محشورا بين ليلة وياسين في أبعد ركن في العربة الأخيرة. اختار هذا المكان ليكونوا بعيدين عن أعين الفضوليين.
ياسين كان يغالب النعاس وهو يحتضن دبدوبه القديم بندق وسأل بصوت مرتعش إحنا هنوصل إمتى يا فارس مسح فارس على رأسه وقال قربنا يا بطل القاهرة غير الدنيا كلها وهناك عمتك سعاد مستنيانا.
ليلة كانت ترسم في كراستها خريطة خيالية لرحلتهم لكن قلبها كان معلقا بهاتف فارس الذي لم يتوقف عن الاهتزاز. أبوك بيتصل يا فارس.. قالتها بهمس. نظر فارس للشاشة اسم بابا يلمع كأنه قنبلة موقوتة. لم يرد بل أغلق الهاتف تماما وقال بحزم من النهاردة مفيش تراجع.. إحنا اخترنا طريقنا.
الفصل الثالث شوارع المحروسة والغدر
نزلت الأقدام الصغيرة على أرصفة محطة مصر برمسيس. الزحام كان مرعبا أصوات الباعة ضجيج القطارات وبشر من كل صنف ولون. فجأة بدأت السماء تمطر بغزارة القاهرة في مارس متقلبة كالمواجع.
يا خبر! العنوان اللي معايا قديم
والتليفون مقفول!.. نطقها فارس بذهول وهو يقف أمام كابينة تليفون
عمومي في 

 

تم نسخ الرابط