ماذا يحدث للكبد عند تناول القهوة

لمحة نيوز

الذاكرة مابتخونش بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
خدي يا فاشلة.. جدتك أهي، أهو يمكن تنفعي في حاجة لأول مرة في حياتك!
الجملة دي كانت أول حاجة سمعتها الساعة 7 الصبح، وأنا لسه بفرك في عيني ولابسه هدوم البيت، وواقفة على باب شقتي في . كنت مستنيه جارتي ، بس لقيت قدامي ستي.
واقفة بترتعش.. مشوشة.. ولابسة شبشب بيت قديم. شعرها الأبيض كان منكوش، وجنبها شنطة هدوم قديمة ومكسورة، كأن حد جرّها ورمى كل حاجة فيها.
وراها، كان خالي عصام قاعد في عربيته الغاليه ، مكسل حتى ينزل يسلم. ومراته عبير كانت ساندة من شباك العربية، ولابسة نضارة شمس وشكلها قرفان كالعادة.
وقفت مكاني متخشب. ستي بصت لي بعيون مرعوبة، ومسكت في كم القميص بتاعي زي العيلة الصغيرة. همست لي يا حبيبتي.. هما ليه مش عاوزين يدخلوني بيتي؟
قلبي سقط في رجلي. بصيت لخالي بذهول يعني إيه جبتوها هنا؟ إيه اللي بيحصل ده؟ فيه إيه؟
عبير طلعت ضحكة باردة وقالت بمنتهى القسوة
بعنا البيت يا دنيا، كل حاجة كانت بتسحب ممرضات ودكاترة وحفاضات ومشاكل.. هي وقعت على الورق خلاص، ومن اللحظة دي هي مسؤوليتك إنتي.
حسيت بدمي بيغلي بعتوا بيتها؟ خالي عصام حدف لي ظرف مجعد كأنه بيرمي زبالة وقعت.. وده كل اللي يهمنا.
ستي اتنفضت من صوت حدفة الظرف. وبعدين عبير قالت

الجملة اللي لسه بترن في ودني لحد النهاردة
إحنا طالعين الساحل النهاردة.. شيلي شيلتك بقى.
ودوروا العربية ومشيوا. بمنتهى البساطة.. وهما بيضحكوا. سابوني واقف على بلاط الطرقة المكسر في بيتي المتواضع، ومعايا ستي التايهة، وشنطة مكسورة، وكمية غل وحرقة دم عمري ما حسيت بيها قبل كدة.
دخلتها جوا. قعدتها على أحسن كرسي عندي. وعملت لها قهوة بلبن رغم إن مكنش في فيزتي غير 200 جنيه، والوصولات عليا بالهبل.
أول أسبوع كان هيدمرني. كانت بتصحى تصرخ في نص الليل. ساعات تسأل على جدي اللي ميت من 15 سنة. وساعات تبص لي كأني واحدة غريبة داخلة تسرقها. وساعات كانت بتشحت مني إن دول مايخدوهاش تاني.
أنا بشتغل من البيت في ببيع عبايات واسدالات أونلاين يادوب بتغطي الإيجار. فجأة بقيت محتاجة مصاريف دواء، وحفاضات كبار، وكشوفات، وأوراق، وأكل، وكل حاجة. أكتر من مرة مسكت التليفون عشان أكلم خالي ومراته وأهزقهم وأقولهم تيجوا تاخدوها. بس كل مرة كنت بشوف وشها. نظرتها وهي واقفة قدام بابي.. نظرة واحدة عارفة إنها اترّمت. فسكتّ.. وكملت.
في اليوم الرابع، حصلت حاجة غيرت كل تفكيري. كنت بملأ استمارات عشان أطلب معاش تكافل وكرامة لستي، وفجأة لقيتها مسكت إيدي. عينيها كانت صافية. مش تايهة.. ولا مشوشة. عيون واعية تماماً.

ضغطت على صوابعي وقالت بصوت واطي، كأنها خايفة حد يسمعنا
إنتي حنينة عليا.. هما لا. هما خوفوني.
حسيت بصدري اتفتح، وحاجة تانية جوايا قفلت ب ترباس. في اللحظة دي، مابقتش شايفة ستي حمل تقيل. بقيت شايفة الحقيقة زي ما هي. هما مش بس سابوها.. هما اتخلصوا منها. بسرعة.. ولسبب.
بدأت أقاوم. شفت مكتب مساعدة قانونية مجاني لكبار السن. وبدأت إجراءات الوصايه القانونية عليها. جارتي، الست فوزيةست عندها 70 سنة ومفتحّة وعارفة إزاي العيال بينكروا جميل أهلهم لما يكبروابدأت تساعدني وتخلي بالها منها لما أنزل أقضي مشوار.
واحدة واحدة، كل حاجة بدأت تتغير. شوربة دافية.. راديو شغال على أغاني زمان والشوق. نظام.. وصبر. لأول مرة من ساعة ما رموها، ستي بدأ يجيلها أيام فوقان أكتر.
وفي الأيام دي، كانت بتقول كلام غريب
الأسد اللي على البوابة بيحمي اللي يهمنا.
ماتثقيش في العصافير اللي مابتغنيش.
سبعة.. تلاتة.. واحد.. تسعة..
في الأول قلت ده كلام مرض. فتافيت حكايات.. لخبطة.. قطع مكسورة. لحد ما خالي عرف إني بطلب الوصايه القانونية عليها. لقيته بيكلمني وهو بيغلي
بقولك إيه يا دنيا، ابعدي عن السكة دي أحسن لك.. إنتي مابتلعبيش مع حد سهل.
المكالمة دي ماخوفتنيش. دي أكدت لي كل شكوكي. هما مش خايفين عليها.. هما خايفين
من اللي ممكن تفتكره.
بعد شهرين، القاضي حكم لي بالوصايه  عليها. يومها، احتفلت أنا وستي بشاي ب قرفة وبسكويت من الدكان اللي تحتنا، لأن ده كل اللي كنت أقدر أجيبه.
بصت لي وإحنا قاعدين على الطرابيزة. بصت لي بجد. وبعدين مالت عليا وهمست في ودني، بكل وضوح
البنك الاهلي.. صندوق 739.
والله العظيم، حسيت الأرض بتهتز تحت رجلي. ومكنتش أعرف وقتها إن أصعب وأبشع جزء في الحكاية لسه بيبدأ..
ليلتها النوم محلفش عليا. كلمة البنك الاهلي.. صندوق 739 فضلت تلف في دماغي زي سلك كهرباء عريان بيطلع شرار في الضلمة. كتبت الرقم تلات مرات على ضهر وصل كهرباء قديم، وحطيت الورقة تحت الموبايل، وكل شوية أقوم أتأكد إنها لسه مكانها. ستي كانت بتتمتم بكلام مش مفهوم وهي نايمة، وأنا كنت بقوم مفزوعة، خايفة إن اللحظة اللي فاقت فيها دي تروح مع ضوء الشمس.
الساعة 8 الصبح، كنت واخدة ورق الوصاية، وبطاقة ستي، ووجع في صدري من كتر الخوف والأمل. البنك كان ساقع، والرخام بيلمع ببرود، والست اللي على الاستقبال بصت لستي بصة شفقة تضايق. مدير الفرع قابلنا، قرأ حكم المحكمة مرتين، وأكد لي أيوة يا فندم، صندوق 739 موجود وشغال. وبعدين شبك إيديه وقال ببرود بس مقدرش أفتحه من غير المفتاح الأصلي.
في لحظة، حسيت إن كل حاجة بتضيع.
ستي كانت بتبص لشجرة زينة
 

تم نسخ الرابط